التاريخ حافلٌ بأخبار الأمم والدول التي نشأت واندثرت تحت هذه الأراضي. وقد سجّلت صفحات التاريخ العديد من الحضارات والممالك التي مرّت في حكم المنطقة العربية الإسلامية بعد عهد الخلفاء الراشدين. وتعدُّ دولة المماليك التي دامت لثلاث مائة عامٍ أبرز تلك الدول التي مرّت على جادّة الحكم في المنطقة الإسلامية.

 فمن هم المماليك وكيف تأسست دولتهم؟ وما هي إنجازاتهم؟ وكيف ذاع سيطهم من بين سائر الدول في عهدهم؟ كل ذلك سنخوضه ونستعرضه في سطور هذا المقال.

قيام دولة المماليك

نهضت دولة المماليك من رماد حكم الأيوبيين في مصر وسوريا والذي بلغ ذروة ضعفه بين عامي 1250 و1260م. والسبب الأساسي الذي دعا لنهضة دولتهم يعود في الواقع إلى الأسلوب الذي اتّبعه الأيوبيون في بناء جيوشهم، فقد اعتمدوا بشكل أساسيّ في بناء هيكل الجيش على العبيد والخدم والذين يُطلق عليهم بالعربية اسم “المملوك”، الأمر الذي أدّى إلى سيطرة هؤلاء المماليك على هيكلية الجيش وعمائده وأطاحو في النهاية بحكم آخر السلاطين الأيوبيين طوران شاه وذلك عام 1250م.

لم يتخذوا من نظام التوريث صفةً في تناقلهم للحكم، بل اعتمدوا على ترشيح الأقوى والأكثر جدارةً من بينهم. كما وعمدوا على استجلاب مماليك من شتى بقاع الأرض ووضعهم في مناصب الحكم وتسليمهم مقاليد القوى في الدولة بعد تهيئتهم وتدريبهم بشكل جيّد.

وبعد معركة عين جالوت عام 1260م التي انتصروا فيها على المغول انتصارًا ساحقًا، نجحوا في السيطرة على آخر معاقل الأيوبيين شرق البحر الأبيض المتوسط، معلنين بذلك انتهاء عهد الأيوبيين بشكل كامل.

وخلال فترة وجيزة نجحوا في بناء أقوى الأمم الاسلامية في العصور المتوسطة ونجحوا في بسط حكمهم على مساحات واسعة شملت الحجاز والشام ومصر، واتخذور من القاهرة عاصمةً لهم، كما وتمكّنوا من تأسيس نظام اقتصادي وعسكري و ثقافي متين وعلى كافة الأصعدة.1

عَصرا المماليك

قسّم المؤرّخون عهدهم إلى عصرين أساسيّين، أولاهما تخلل الفترة الفاصلة بين عامي 1250 و 1382م أما الآخر فخطّوه ابتداءً من عام 1382 إلى نهاية دولة المماليك في سنة 1517م. أطلق المؤرّخون المعاصرون من العرب على الفترة الأولى اسم المماليك التركية وعلى الثانية المماليك الجركسية، وذلك في إشارةٍ منهم إلى التغيّر الذي طرأ في الأصل العرقي للمماليك الحاكمين في كل عهد. في حين أطلق المؤرّخون الغربييون على نفس التقسيمين اسم المماليك البحرية يصيوالمماليك البرجية على التوالي.2

  • عصر المماليك البحرية (1250-1382م\648-792هـ)

أطلق لقب المماليك البحرية على المماليك الذين كانوا تحت سلطة وإمرة السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وقد اختارهم ليستقوي بهم خوفًا ممن قد يناهض حكمه، فأعطاهم سلطةً وقوّةً ونفوذًا، إلا أنه وبسبب تعدّياهم الزائدة على السكان والأهالي وشكواهم منهم عمد نجم الدين إلى بناء قلعة لهم في جزيرة الروضة عام 638هـ، ومن وقتها أُطلق عليهم المماليك البحرية.

وقد تمثّل هذا الحكم في أسرتين فقط، وهما أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، والتي استمر حكمها عشرون سنةٍ فقط، أما الأسرة الثانية فهي أسرة المنوصر قلاوون والتي دام حكمها مائة واربع عشرة سنة. حكم خلالها خمسة عشر سلطانًا توفي منهم أربعة فقط وفاةً طبيعية تركوا على إثره الحكم، في حين تم خلع سبعة منهم، وقتل الخمسة الآخرون.

  • عصر المماليك البرجية (1382-1517م\792-923هـ)

أو ما عٌرف بالمماليك الجركسية نسبةً إلى الجراكسة الذين شكّلوا جُلّ هذه الفئة. وكان الجراكسة يستوطنون أصولًا الأرض المشرفة على البحر الأسود من جهة الشمال الشرقي والتي كانت مسرحًا للصراع بين مغول فارس ومغول القفجاق، هذا الصراع جعل عددًا من أبناء الجراكسة تدخل سوق النخاسة(سوق العبيد)، حيث كان يتم نقلهم بعدها إلى مصر، وكان آنذاك عهد المنصور قلاوون، الذي اشترى أعدادًا كبيرة منهم راجيًا التخلص من صراع وتمرّد الممالك البحرية التي كانت تحت امرته سابقًا وليضمن، مستعينًا بقوة المماليك الجركسية، الحفاظ على السلطنة له ولأبنائه، وأطلق على هؤلاء اسم المماليك الجركسية نسبةً إلى أصولهم التي ينتمون إليها، في حين أطلق اللقب الآخر(المماليك البرجية) عليهم نسبةً إلى القلعة التي وضعوا فيها.

وبعد مدة تقلّد هؤلاء الجراكسة رتبًا عكسرية بارزة حتى غدا منهم الأمراء والقادة، بسبب التدريب والعناية الكبيرين التي أبداها لهم السلطان قلاوون. ليضعوا بعدها نصب أعينهم السيطرة على زمام الحكم وبسط النفوذ على البلاد، وقد نجحوا بذلك، ليبدأ عندها عصر المماليك البرجية.

وحكم الجراكسة كلًّا من مصر والشام والحجاز مدة تزيد عن مائة وإحدى وثلاثين سنةً، وتعاقب في هذه المدة في الحكم أكثر من سبعة وعشرين سلطانًا.3

نهاية عهد المماليك

بالرغم من الانتصارات الكثيرة التي أحرزتها جيوشهم خارج البلاد، إلا أن تلك الحروب أثقلت كاهل الدولة وأنهكت واستنزفت مواردها، لاسيما بعد مواجهة الاجتياح الذي قاده تيمورلنك في مطلع العام 1400م، بالرغم من أن جيوش المماليك تمكّنت من التصدي له. كما تزامن هذا مع انتشار مرض الطاعون الأسود الذي اجتاح البشرية في ذلك الوقت وأودى بحياة ما يقارب 100 مليون إنسان بين عامي 1346 و 1351م، وكان لبلاد الشام آنذاك نصيب وافر من ضحايا الوباء، الأمر الذي أثر بشكل كبير على تجارة الشام التي شكلت جزءًا هامًّأ من اقتصاد دولتهم .

وعلى ضوء هذه الضغوطات والوضعف الذي حل بدولة المماليك، لم يتطلب الأمر من الدولة العثمانية إلا معركتين فقط، بقيادة السطان العثماني سليم الأول، لبسط سيرطرته علهم. والجدير بالذكر أنه في تلك المعركتين استخدم العثمانيون الأسلحة النارية والمدافع في مواجهة المماليك الذي تصدّوا لهم بالأسهم والنبال والسيوف.

بالرغم من تغلّب السلطان العثماني عليهم إلا أنه أبقى عليهم في حكم مصر كجزء من الامبراطورية العثمانية، وهذا بالطبع لم يرق للكثير من كبار المماليك وعمدوا إلى الكثير من المحاولات الإنقلابيّة بين عامي 1517 و1798م لنيل الاستقلال، ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، واستمر ذلك حتى قدوم الاحتلال الفرنسي إلى مصر وأنهى بشكل كامل عهد المماليك الطويل الحافل.4

المراجع