على مدى العقود الأخيرة الماضية تلازم ذكر مصطلحي نظرية المؤامرة والماسونية بشكلٍ كبيرٍ ومريبٍ معظم الوقت، وشاعت الكثير من التأويلات والقصص حور نشأة تلك ودور ذاك، وما بين التسفيه والتعظيم والتحامل والتطاول ضاعت الحقائق وانغمس العامة في مزيدٍ من الغموض.

البناؤون الأحرار (FreeMasons)

لم تعرض الكتابات تعريفًا مباشرًا للماسونية، وتفاوتت الأقاويل حول ما هي عليه فعلًا، ولكن بشكلٍ عام يقال إن تاريخ البنائين الأحرار يعود إلى StoneMasons ما قبل عام 1600 تقريبًا، والذين احترفوا فن النحت والعمارة وأبدعوا في علوم الهندسة والرياضيات، وقد كانوا يستقبلون كل من يلم بهذه الحرفة ضمن “اتحادهم”، ولكن عند تراجع أسهمهم احتاجوا استراتيجيةً ما لإبقائهم في موضع قوةٍ، وقد تضمّن ذلك خطوتين أساسيتين:

  1. قاموا بتدعيم مبادئهم وحرفتهم باتباع اتحادهم لتاريخٍ طويلٍ يعود إلى مصر القديمة، وزودوه بالرموز والطقوس المناسبة.
  2. استقطبوا عددًا من الأكاديميين والباحثين ونخبةَ المجتمع للالتحاق بهذا الاتحاد، وجعلوهم قائمين على “السرية، الأخلاق، والزمالة الحسنة“.1

وبذلك ظهر البناؤون الأحرار والماسونية، وبدؤوا بالتوسع حول العالم كمنظمةٍ اجتماعيةٍ تستقبل الأناس بناءً على خلفيتهم المعرفية والأخلاقية دون التطرق لتوجهاتهم السياسية والدينية. موزعين ضمن هيئاتٍ في كل دولةٍ ومقسمين إلى 33 مرتبةً ضمن طقوسهم الخاصة التي أضفت طابعًا دينيًّا على الرغم من ادعائهم بعدم وجود انتماءٍ دينيٍّ إلا مفهوم السلطة الوجودية العليا.2

نظرية المؤامرة والنظام العالمي الجديد

تعد من أهم نظريات المؤامرة الموجودة ومنها تفرع العديد من النظريات الأخرى، ويدعي من يؤمن بهذه النظرية وجود حكومة ديكتاتورية عالمية سرية سريعة النمو تُدعى “النظام العالمي الجديد” تتآمر لحكم العالم بأسره عبر نظامٍ حكوميٍّ سلطويٍّ يتضمن الكثير من أهم الشخصيات الذين يدعون العمل لصالح جهات معينة (سياسية، اقتصادية، إنسانية، وحتى دينية).3

كلّ ذلك من أجل التحكم بالأحداث المالية التجارية والسياسية حول العالم، محفزين العديد من الأزمات التي شوهدت على مرِّ السنين من أجل تحقيق غايتهم العظمى؛ منها تفجير برجي التجارة العالميَّين (أحداث 11 أيلول)، مجموعة من الاغتيالات، وحتى الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية.4

يعتقد العديد أن الماسونية ظهرت استكمالًا لحقبة “فرسان المعبد The Knights Templar”، وأنها جزءٌ من “المتنورين Illuminati” أو متعاونة معها، وبالاتحاد مع منظماتٍ أخرى تشكل بمجملها النظام العالمي الجديد؛ وهو نظامٌ مناهضٌ للدين، مؤمنٌ بالشيطان، يقوم بطقوسٍ معينةٍ تهيئةً لتحقق النبوءة بقدوم المسيح الدجال ونشر الظلام في العالم.

أما بالنسبة لرد البنائين الأحرار على هذه النظريات، فحافظوا على موقفهم بكونهم منظمة اجتماعية ليس لها توجهٌ سياسيٌّ أو دينيٌّ، تفتح أبوابها للشخصيات من مختلف التوجهات السياسية والأديان، وأن الرموز أو الطقوس التي يتبعونها هي مجرد تقاليدٍ للحفاظ على ثبات المنظمة باعتناقها أفكار أخلاقية تدعو للمساواة، الحرية، الإنسانية، والعمل، كما أنهم أنكروا أي ارتباطٍ بالمتنورين.5

بعض من أبرز شخصيّات الماسونية

من المدهش والمثير للريبة أيضًا وجود عدد كبير من أعظم الشخصيات عبر التاريخ من المنتمين للبنائين الأحرار، كل منهم له مرتبته ضمن المنظمة، ومنهم:

والقائمة تطول…6

الأسباب وراء نظريات المؤامرة

بدلًا من الخوض في الأحداث والاحتمالات العديدة لأسبابها سواء كانت حقيقةً أم نظريةً، لفهم الأسباب التي تدفع الناس للإيمان بالمؤامرات وربط نظرية المؤامرة والماسونية معًا، لا بد من فهم بعض الحقائق الموجودة في الطبيعة البشرية.

صمم الفيلسوف “جوشوا نوب Joshua Knob” قصةً باتجاهين لمعرفة الوصل بين رؤية الأشخاص للأذية ورؤيتهم للنية السيئة؛ وتدور هذه القصة في شركةٍ حيث يطرح أحد المدراء التنفيذيين على المدير العام خطة عملٍ لرفع الأرباح.

يقول المدير التنفيذي في الاتجاه الأول للقصة “نحن نفكر في البدء بخطة عملٍ جديدةٍ ستساعدنا بزيادة الأرباح، كما أنها ستساعد البيئة”، وعلى ذلك يكون رد المدير “لا أكترث البتة بالبيئة، كل ما يهمني هو زيادة الأرباح، امض بالمشروع”. الآن، النسبة الأكبر من الناس رأوا أن المدير في هذا السيناريو لم يتعمّد مساعدة البيئة عندما سُئلوا عن ذلك بما أنه لا يكترث إلا بالأرباح.

أما في الاتجاه الثاني، يقول المدير التنفيذي “نحن نفكر في البدء بخطة عمل جديدة ستساعدنا بزيادة الأرباح، ولكنها ستؤذي البيئة”، ويكون الرد ذاته من المدير دون أي تعديل “لا أكترث البتة بالبيئة، كل ما يهمني هو زيادة الأرباح، امض بالمشروع”، وهنا اعتقدت النسبة الأكبر من الناس أن المدير تعمد أذية البيئة بما أنه لا يكترث بها.

من الملحوظ أن أقوال وأفعال المدير هي ذاتها في كلا الاتجاهين، وأنّ حافزه الأساسي هو الربح فقط، ولكن الطبيعية البشرية ترى الفعل الجيد على أنه بمحض الصدفة أما الفعل السيء فهو عن سابق نيةٍ وتخطيطٍ.7

من منظورٍ آخر؛ تقوم نظريات المؤامرة بشكلٍ عام على مبدأ السببية الذي يتغذى على الطبيعة البشرية لإيجاد معنى وراء أي مأساة والبحث عمن يمكن إلقاء اللوم عليه؛ فلا يمكن أن يكون أي حدثٍ عشوائي المصدر، ولا بد من وجود محركٍ ما أو شخصٍ مسيطر، أو في حالة البنائين الأحرار، نظام عالمي جديد مسيطر!

بأخذ هذه المبادئ بعين الاعتبار، بالإضافة للسرية المحيطة بالماسونية التي تولد خوفًا من المجهول، يصبح من المفهوم توجه الناس للإيمان بالمؤامرات، والربط المريب بين نظرية المؤامرة والماسونية وكافّة شخصياتها، واعتبار كل الأدلة التي تخالفها مصطنعة من قبل النظام العالمي الجديد.8

المراجع