نوادر جحا وطرائفه

الموسوعة » قصص » نوادر جحا وطرائفه

من هو جحا

من منّا لم يسمع في صغره بقصّةٍ من نوادر جحا الممتعة؟ جحا هو شخصيةٌ مشهورةٌ في التراث الشعبي العربي، ومن الشخصيات المعروفة والمحبوبة جدًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وما وراء هذه المنطقة، ويُعرف بأنه شخصٌ مضحِكٌ هزليٌّ يتصرف أحيانًا بغرابةٍ شديدةٍ ومرحٍ.

تظهر عدة نسخٍ من الشخصية في ثقافاتٍ مختلفةٍ في فلكور إيران وإيطاليا رومانيا، وتركيا التي يُعرف فيها باسم “الملا نصر الدين”، حارس الإيمان، وادّعى البعض أنه دفن، وتوجد على موقع قبره بوابات ضخمة موصدة. وكتب على شاهدة الضريح: “أحيانًا لا تحتاج إلى المفتاح لعبور البوابات، كل ما عليك فعله هو المشي حولها حيث لا توجد جدران”.§.

لقد تم تكييف الشخصية مع أوضاعٍ وعصورٍ متباينةٍ، وهي في كل الحالات متشابهة، وتملك شخصيته صورةً مميزةً بقبعةٍ وملابسَ وحذاء خاص في كل الثقافات. وغالبًا ما يُصوّر مع حماره الذي يحتل نصيبًا وافرًا من حكاياته بطرقٍ مختلفةٍ بالإضافة إلى ابنه وزوجته. مؤخرًا، تكيفت نوادر جحا مع الوضع الحديث، وتم تمثيلها في رسومٍ متحركةٍ أصبحت شائعةً في العالم العربي.§.

بين جِحا ولقمان

جحا حكيمٌ مخادعٌ من الفلكور العربي، يعرض الهروب الهزلي من الواقع في الوقت الذي ينقل فيه قيم المجتمع. تعارض ذكاء جحا الساخر واستهزاؤه بالسلطة مع الحكمة الأبوية الموجودة في مجموعةٍ أخرى من الأساطير الشعبية مثل خرافة لقمان، ولقمان هو مؤلفٌ للقصص شارك في العديد من خرافات الكاتب اليوناني آيسوب، وقد بُجّل في القرآن لتقديمه النصيحة الدينية والحكم الأخلاقية لابنه.

تمثل قصص لقمان طرقًا للتعامل مع الحقائق القاسية للعالم: الغرور يأتي قبل السقوط؛ عليك دائمًا أن تختبر أشياءَ قبل أن تخطو إليها؛ إذا كنت طماعًا ستخسر الأشياء الجيدة التي تمتلكها بالفعل.

غالبًا ما يكون المغزى من هذه القصص التمتع بالحكمة والتبصر والعمل باعتدالٍ، بالمقابل قاد جحا نفسه إلى مواقفَ خطيرةٍ بسبب صراحته. فقد رفض أن يخضع للرقابة، لكن انتقاداته أيضًا لم تكن عدوانيةً أكثر مما يُتطلب أن تكون.

نقل كلٌّ من جحا ولقمان القيم الأخلاقية والاجتماعية بأصواتٍ مختلفةٍ، فبينما يتحدث لقمان من منظوره كأبٍ، يسمح جحا لنا بإدراك العالم بشكلٍ طفوليٍّ أكثر. تستند بعض قصص جحا على حكمته الساخرة؛ بينما تتضمن أخرى تجاهله المستخِف بالسلطات.

تقدم خرافات لقمان ومعها نوادر جحا حياةً وكأنها نسخةٌ عن العالم. فكلاهما يدرج تحت نوعٍ أدبيٍّ خياليٍّ من الحكايات الشعبيّة التي تعرض تركيبةً ثنائيةً قويةً من الخير والشر. غالبًا ما تكون الشخصيات في قصص لقمان وجحا جشعةً وأنانيةً بطريقةٍ ماديةٍ، وأحيانًا تسيء معاملة الآخرين لأنهم ببساطةٍ “يمرون بيومٍ سيءٍ”.

 اتبعت خرافات لقمان قواعد العالم العادي (باستثناء قصص الحيوانات) حتى الوصول إلى الخاتمة، وهي تمنح إرشاداتٍ واقعيةً لتجنب المخاطر والنجاح في الحياة. تأتي المقدمة واقعيةً في قصص جحا، كما عند لقمان، لكن في عالمه تختلف القواعد عن عالمنا عندما يتعلق الأمر باستهتاره.

ومن أمثلة هذا الاستخفاف قصة بعنوان “جحا وسلة التين” والتي تصور إساءة استخدام السلطة. كان جحا في طريقه لإحضار سلةٍ من اللفت إلى الأمير، متذكرًا أن الأمير كافأه بسخاءٍ مقابل هدية من رمان بستانه قبل بضعة شهورٍ. وفي طريقه إلى القصر، مرّ جحا بجارٍ فنصحه أن يهديه التين لأنه مناسبٌ أكثر فقام بإفراغ سلته وملأها بالتين. وصدف أن مزاج الأمير معكرًا عند وصول جحا القصر، وتحولت مناسبة هدية جحا عن وجهتها، كان الأمير غاضبًا جدًا وأمر خدمه بأن يرموا جحا بحبات التين.

وفي كل مرةٍ كان التين يصيبه، كان يصرخ “فليباركك الله يا جاري العزيز أو ليرزقك الله بالمال والبنين يا جاري العزيز” عندها غلب فضول الأمير غضبه، وسأل جحا لماذا يقول ذلك. فأجابه جحا: كنت قد جلبت لك سلةً من لفتٍ كبيرٍ لم ترَ بحجمه، أبيض وحلو كالتفاح، لكن جاري أقنعني أن التين هدية أفضل”. أفلا ينبغي أن أشكر الرجل الذي أنقذ حياتي؟ فلو أن سلتي مليئة باللفت لتكسر كل عظمٍ في جسدي الآن، وعندها ضحك الأمير وإكرامًا لدعابته أعاد جحا للمنزل مع كيسٍ من الذهب.

للوهلة الأولى، يبدو لقمان أكثر أخلاقًا في حين يقدم جحا هروبًا مرحًا من القواعد. لكن في الحقيقة أن نوادر جحا تنقل قيم المجتمع بالقوة نفسها التي تفعل قصص لقمان.§.

حول نوادر جحا وطرائفه

تأتي نوادر جحا وطرائفه من التراث الشفهي، وقد اختلف لونها حسب الراوي والظروف التي تُروى فيها. لكن الحبكة الأساسية تبقى هي نفسها وقد يُزيّن الراوي الظروف بتفاصيلَ من البيئة ليجعلها أكثر محليةً.

وبشكلٍ عام، دارت القصص والنوادر في ذلك الزمن، حول الخلفاء واللصوص والزوجات المخادعات اللواتي تُداهنّ السلطة المستبدة لأزواجهن. وقد قدم بعضها دروسًا أخلاقيةً أو اجتماعيةً فيما يتعلق بقرارات الملوك والخلفاء، أو حول كيفية التعامل مع الجيران أو أهمية الكرم وحُسن الضيافة. أما البعض الآخر فكان هدفه الدعابة لا أكثر. مثل القصة التالية:

ادعى رجلٌ أنه الله، فأُخِذَ إلى الخليفة ليعاقبه على جريمته. وقال الخليفة له: ادعى رجلٌ في السنة الماضية أنه نبيٌّ وقد شُنق. ماذا تقول حول ذلك؟ فأجاب الرجل: ” لقد أخطأت عندما شنقته، ذلك لأني لم أرسله”.

أشهر نوادر جحا وطرائفه

جاء جارٌ إلى جحا وقال: أعرني حمارك، لأنني أدركت فجأةً أنه علي القيام برحلةٍ. فردّ جحا الذي لم يكن يرغب بإعارته الحمار: أنا أريد إعارته لك، لكن واحسرتاه لقد بعته البارحة”. بعدها، بدأ الحمار الموجود في الإسطبل بالنهيق بشكلٍ عالٍ. فقفز الجار وقال: لكن حمارك في الإسطبل. فأجابه جحا بغضب: أنت أحمق، هل تأخذ بكلام حمارٍ ضد كلامي؟

ومن نوادر جحا، أنه مرّ يومًا أمام بعض الناس وهو راكبٌ حماره، فحاول أحدهم السخرية منه بقوله: جحا، لقد تعرفت على حمارك ولم أتعرف عليك، فردّ عليه جحا: هذا طبيعيٌّ، فالحمير تتعرف على بعضها بسهولةٍ.

عندما فقد الحمار، استمر جحا في شكر الله، فسأله الناس: لماذا تشكر الله رغم فقدان حمارك؟ فأجاب: أنا أشكر الله لأني لم أكن على ظهر الحمار عندما فُقد، وإلا لكنت مفقودًا أيضًا.

في أحد الأيام دخل جحا على ملأٍ من القوم فقال: “القمر مفيدٌ أكثر من الشمس”. فسأله رجلٌ مسنٌ: “لماذا؟”، فأجاب: “لأننا نحتاج الضوء أكثر خلال الليل منه في النهار”.

مرةً، سأله أحد الأصدقاء: كم عمرك، فأجاب جحا: أربعون سنة”، فقال صديقه لكنك قلت نفس الشيء منذ سنتين، فأجابه: نعم، أنا لا أغيّر أقوالي”.    

مرةً كنت في الصحراء، يقول جحا: وقد تسببت بركض قبيلةٍ كاملةٍ من البدو المتوحشين والمرعبين، فسُئل: وكيف فعلت ذلك، قال: أنا فقط ركضت، ثم بدأوا بالركض ورائي.§.