وعد بلفور

لم يعرف الكثير من البريطانيين اسم آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا في أوائل القرن العشرين، أما بالنسبة لحوالي 12 مليون فلسطيني كان الأمر مختلفًا جدًا؛ فقد تلاحق هذا الاسم مع الكثير من الغضب والحقد والكره في قلوب الفلسطينيين خاصةً والعرب عامةً بعد إقرار ما عُرف باسم وعد بلفور عام 1917، والذي دمر حياة الكثير من الأبرياء الفلسطينيين وشردهم من أرضهم وبيوتهم.

أعوام مضت على وعد بلفور والحرب مستمرة

قبل أكثر من مئة عامٍ من اليوم أصدرت حكومة بريطانيا وعد بلفور الشهير والشائن، وفي حين أن معظم رواد السياسة ممن لديهم معرفة أساسية بالصراع القائم بين فلسطين وإسرائيل قد سمعوا بهذه الوثيقة، إلا أن قلةً قليلةً منهم تفهم ما جاء بها وسبب بقائها حتى اليوم قيد التطبيق، ولعلّ السبب الأكبر يكمن في افتقار الكثير من الناس إلى هذه المعرفة وهذا الفهم يكمن في أن التاريخ الذي يتم تدريسه كثير من البلدان الغربية يسيء بشكلٍ منهجيٍّ إلى الأصول التاريخية للصراع القائم منذ زمنٍ؛ إذ تقدم الحكومة الأمريكية وغيرها سردًا مغلوطًا عن كيفية ظهور “الدولة اليهودية” إلى العالم بما يخدم مصالحها ومصالح الكيان الإسرائيلي، في حين لا يكاد يُعترف بالأصول الفلسطينية لديهم.1

وعد بلفور في محطته الأولى

وقع بلفور وزير خارجية بريطانيا بتاريخ 1917 رسالةً وعد فيها الاتحاد الصهيوني بأرض فلسطين بهدف إنشاء دولةٍ يهوديةٍ فيها. ووقع بلفور رسالته متجاهلًا الحقوق السياسية لأصحاب الأرض الحقيقيين من الفلسطينيين العرب، ضاربًا بعرض الحائط جميع القرارات الدولية والقوانين والتاريخ الذي يؤكد ملكية الفلسطينيين لأرضهم وحقهم في الحفاظ عليها، وهكذا فإن النتائج التي أثارتها هذه الورقة كانت مدمرةً على المدى القريب والبعيد.2

وقد تسبب وعد بلفور والوثيقة المرتبطة به تلك بهجرةٍ جماعيةٍ لليهود خلال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين، مما جرد الشعب الفلسطيني من ممتلكاته ونفاه عن أرضه وأطاح بحريته بعيدًا، وبالتالي شرّع هذا الوعد أرضًا للصهاينة على الرغم من أنها لم تكتسب قبولًا جماعيًّا حتى بين صفوف اليهود في جميع أنحاء العالم.

أدى هذا إلى إقامة دولةٍ يهوديّةٍ تدعى إسرائيل بعد ثلاثين عامًا من الوعد، استخدمت لإقامتها جميع أشكال العنف لتشريد نسبةٍ كبيرةٍ من السكان العرب الأصليين في فلسطين.3

لقد خلقت هذه السياسة البريطانية لدعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين مع إنكار الحق العربي الفلسطيني في تقرير المصير والحفاظ على الأرض والممتلكات توتراتٍ حادةً بين المهاجرين اليهود والفلسطينيين الأصليين المدافعين عن أرضهم وحقوقهم وترابهم. وبدأت الصراعات تأخذ شكلًا محتدمًا دمر حياة العديد من الناس، وشكل وعد بلفور على الرغم من تقلباته الخطوة الأولى نحو هدف الصهاينة السياسي في إقامة وطنٍ للشعب اليهودي في فلسطين، وذلك كما جاء في مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897.4

في ذلك الوقت ومع احتدام الحرب العالمية الأولى، كانت القوات البريطانية والأسترالية تقاتل في عمق فلسطين ضد العثمانيين وتستعد للاستيلاء على القدس، وكانت الحكومة البريطانية تأمل أن يحشد هذا الإعلان الرأيَّ اليهوديَّ، ولا سيما في الولايات المتحدة، إلى جانب القوى الحليفة ضد القوى المركزية خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918. كما أعربت عن أملها في أن يساعد توطين اليهود المؤيدين لبريطانيا في فلسطين على حماية الاقتراب من قناة السويس في مصر وبالتالي شكّل وعد بلفور ضمانًا بوجود طريقٍ حيويٍّ للاتصال بالممتلكات الاستعمارية البريطانية في الهند.5

الحركة المعادية للصهيونية

بدأت في عام 1917 حركةٌ قويةٌ مناهضةٌ للصهيونية داخل البرلمان، وكان المناهضون للصهيونية بقيادة مونتاغو، وزير الدولة الهندية وأحد أوائل اليهود الذين خدموا في الحكومة، يخشون من أن تهدد الصهيونية التي ترعاها بريطانيا وضع اليهود الذين استقروا في مدنٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ مختلفةٍ، كما يخشون العنف المعادي للسامية في البلدان التي تقاتل بريطانيا في الحرب وخاصةً داخل الإمبراطورية العثمانية.

ومع ذلك تم إلغاء هذه المعارضة بعد أن طلبت بدرجاتٍ متفاوتةٍ من النجاح موافقة فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا (بما في ذلك الفاتيكان).6

النكبة الفلسطينية

في عام 1948 حدثت نكبة فلسطين والوطن العربي، إذ طردت الميليشيات الصهيونية بالقوة أكثر من 800 ألف فلسطيني من وطنهم، وارتكبت العديد من الجرائم وعمليات الإرهاب والتدمير والتنكيل. كان هذا اليوم هو يوم احتفال الصهاينة اليهود بتنفيذ وعد بلفور عمليًّا، وإنشاء دولتهم، بينما كان يوم نكبة فلسطين التي كان ولا يزال الفلسطينيون يدافعون ويناضلون عن حقهم المغتصب لإعادة أراضيهم المسلوبة والانتقام لأعوامٍ من القهر والظلم حتى يومنا هذا.7

المراجع