أحمد مراد وأحمد خالد توفيق بين التأليه والتسفيه

  • 1
  • 208
  • لفت نظري بشدة الجدل الكبير الذي ثار مؤخرًا بعد نشر صورة الكاتب والفنان أحمد مراد على غلاف مجلة الكتاب، واستهجان الكثيرين لهذه المكانة التي رأوها كثيرة جدًا عليه وأن كل إنتاجه الأدبي لا يتخطى الروايات الستة، وكيف يأخذ هذه الشهرة والتكريم رغم أن بعض الروائيين العظام لم يتم الإشادة بهم إلا بعد الرواية الـ100.

    وفي الحقيقة هي وجهة نظر معقولة بالطبع وتستحق التفكير، فمنذ أول رواية له وهي فيرتيجو والتي نُشرت عام 2007 أصبح أحمد مراد واحدًا من أشهر كتاب الوطن العربي، ولكنه أثبت بتراب الماس بعد ذلك أن الأمر موهبة حقيقية وليس مجرد مصادفة وتوالت الأعمال، في حين أن الروائيين من الجيل السابق ربما لم يصادفهم التوفيق نفسه.

    وإلى هنا قد لا يتعدى الأمر مجرد خلاف في الرأي بشأن أحقية تكريم شاب ناجح على غلاف مجلة عريقة، ولكن ما لفت نظري بالفعل هو المبالغة الشديدة في ردود فعل عشاق أحمد مراد من وصف لأعماله كأن لم يكن قبلها إنتاج أدبي وأن من لا يُحبه لا يفقه شيئًا في عالم الأدب وغيرها من اتهامات، وفي المقابل نجد تسفيهًا شديدًا لكتاباته من قِبل البعض وأنها لا ترقى لأن تكون أدبًا أصلًا..وفي الحقيقة أرى كلا الفريقين شديد المبالغة، فلا هو إله الأدب الحديث ولا هو أيضًا يفتقر إلى موهبة حقيقية وثقافة وعُمق وأسلوب سلس وجذاب يجعل المرء ينتظر أعماله المقبلة بشغف حقيقي.

    فهو مثله مثل أي كاتب أو روائي له أعمال جيدة وأخرى لم تلق الإقبال، وبالتأكيد لن يتفق الجميع على شيء واحد أيًا كان، فأنا مثلًا لم أفهم رواية الفيل الأزرق إلا بعد إطلاق الفيلم فأعدت قراءتها إلى أن حدث بيننا تجاوب، وهذا عكس الكثير من الروايات التي تحولت لأفلام والتي كان للرواية فيها الأفضلية في الغالب.

    وهذا يُذكرني بنفس ما حدث عند وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق والحرب الشرسة التي قامت بشأن أهمية دوره في عالم الأدب العربي، وكان التناقض صارخًا أيضًا بين معجبيه الذين وصفوه بالعرّاب والأب الروحي ومُلهم جيل الثمانينات، وبين من يرى كتاباته مجرد تسالي مثل اللب والسوداني لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

    وهنا سأكرر الأمر نفسه بالنسبة لدكتور أحمد خالد توفيق، فهو له الكثير من روايات سلسلة ما وراء الطبيعة والتي أمضيت مع بعضها وقتًا مذهلًا، في حين أثار بعضها جنوني من النهايات السخيفة التي أغضبتني منه بشدة.

    والمفترض أن يكون هذا طبيعيًا بالنسبة لأي إنتاج إبداعي، قد يلقى القبول أو الرفض، وقد لا يفهمه الناس فورًا وقد يستغرق سنوات كثيرة حتى يأخذ قدره ومكانته، في حين أن هناك من الإنتاجات قد تكون مثل فقاعة كبيرة تُحدث صخبًا ثم تموت للأبد.

    لكن ما يُثيرني فعليًا هو عدم تقبل الجمهور نفسه وليس المبدعين لأي نقد أو خلاف في الرأي وهذا ليس فقط في الأدب ولكن في كل شيء آخر حرفيًا، بدءًا من الأهلي والزمالك وحتى ارتداء الكمامة أو عدم جدواها في زمن الكورونا وانتهاءً بالحرب الضروس بين محبي الصيف والمغرمين بالشتاء.

    الجميع يُسفّه من رأي الجميع وبعد أن كانت تلك خلافات على نطاق ضيق بين مجموعات الأصدقاء أو الأقارب أو حتى بين الأب وأبنائه، أصبح الجدال الفظّ بين الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي حيث كل الوسائل مباحة من شتائم وانتهاكات وغيرها في استغلال فجّ لعدم وجود رقابة على تلك المواقع، فهل هو فراغ أم تفاهة أم بحث مُضني عن الهوية والذات حتى يتحوَّل أي موقف أو رأي إلى حرب شرسة وتخوين وتكفير وتسفيه وتكوين عداءات من لا شيء على الإطلاق؟

    دعاء رمزي كاتبة صحفية