الأرق ومائة عام من العزلة

  • 2
  • 888
  • حيوات ماركيز التي لم تمت

    القراءة لماركيز تشابه الحديث مع كبار السن وحكاياتهم، ليست تلك الحكايات الرثّة، أعني بذلك تلك الحكايات التي تضع أثرًا في ممر الحياة. 18 عشر شهرًا في سبيل إنهاء رواية عظيمة ستبقى خالدة في التاريخ، وقد قورِنت برواية دون كيشوت التي عاشت زهاء أربعة قرون.

    في ثنايا رواية مائة عام من العزلة لماركيز، يصاب سكان ماكوندو بداء الأرق؛ ذلك الذي ينسيهم كلّما في حياتهم، حتى اسم ذلك المكان الذي يقطنونه، وحتى تلك الأشياء التي تساعدهم على استمرارية الحياة. يبدأ القرويين بنسيان الأشياء والمفاهيم وحتى الكلمات من حولهم، ذلك المرض الذي أوضح ماركيز في روايته أنّه ينتقل فمويًا عن طريق الطعام الملوث، وكيف أنّ المصاب يبدأ تدريجيًا في نسيان الوعي والمكان وجميع ذكرياته حتى يصل به الأمر إلى نسيان كل شيء. ويعمد بطل الرواية خوسيه اركاديو بوينديا إلى تسمية الأشياء بدقة؛ فتجده يكتب التفاصيل الدقيقة؛ كقوله مثلًا “هذه هي البقرة، ويجب حلبها كل صباح كي تعطي حليبا، ويجب غلي الحليب كي يمزج بالقهوة، وصنع قهوة بالحليب. وأخذ يكتب عن كل شيء، فيذكر أيضًا أنّ هذه بلدتنا ماكوندو، بل حتى يذكرهم بقوله لا تنسَ فالربّ موجود.

    القراءة لهكذا عمل تتطلّب الكثير من التركيز، ويبدو لي أنّ تفاصيلها وشجرة العائلة والأمراض ومشاكل الشخصيات وأسرار المجتمع وعزلته تحتاج لكثير من التركيز، وأرى أنّ الإقدام على قراءة الرواية بمثابة التحدي الذاتي للشخص، هذا العمل الذي يُظهر واقعية ماركيز السحرية، والذي يتجاوز تلك الصفحات بين طيات الكتاب، إذ أنّ الواقع والاختلافات والنزاعات الموجودة في كولومبيا وأمريكا اللاتينية لا تختلف تماما عما كتب غابو.

    لهذا الكاتب الكثير من التقديس عندي؛ كل ذلك أتى من خلال كلماته، وعمق كتاباته التي تجد فيها موسوعية لا تضاهى. ولغابريل قراءات كثيرة في الدين والسياسة وحتى الطب، كلّ ذلك تجده موجود في هذا العمل. وعلمه بالأمراض يزيدك إعجابا به، وأقف عند حديثه عن زواج الأقارب، أضع يديّ على رأسي، أصرخ وحدي من هول ما أرى في هذا العمل الذي كُتب عام 1965. هذه الدهشة تأتيني كلّما أمطرني أحدهم بالمعرفة، وجعلني أبحث من خلاله عن أشياء لا أعرفها. يذكر أنّ التشوهات الخلقية التي أتت نتيجة لزواج الأقارب الممتد؛ ظهرت في آخر مولود في العائلة الذي أصيب بالسنسنة المشقوقة.

    يقول:”إذا لم تخش الله، فتأمل المعادن وسوف تخشاه.”

    عبدالله أحمد كاتب