“الأقوى” لأوجست سترندبرج: الشخصية المسرحية كمؤلف ضمني

  • 0
  • 0
  • يسهل تفسير صمت الآنسة إيميلي طوال مسرحية “الأقوى” لأوجست سترندبرج ـ وهو التفسير الحاكم لتأويلات المسرحية ـ بعدم وجودها إلا في خيال السيدة إكس، والتي تتحدث إليها بنوع من الاعتراف الثأري البائس حول الحب والغيرة والخيانة .. لكن لنفكر في ذلك التصوّر الأكثر جموحًا: ماذا لو أن الآنسة إيميلي حاضرة بالفعل، وأن الغائبة حقًا هي السيدة إكس؟ .. إيميلي الصامتة طوال الوقت تجلس بالفعل في ذلك المقهى، أما إكس فلا توجد ولا تتحدث إلا في عقل إيميلي؟ .. ماذا لو أن السيدة إكس ليس لها حضور في الحياة مطلقًا؟

    لنتخيّل الأمر على النحو التالي: تمتلك إيميلي شخصيتين؛ الأولى هي الآنسة العزباء التي تجلس وحدها في المقهى ليلة عيد الميلاد، وسبق لها أن ارتبطت بعلاقة مؤقتة مع رجل المسرح، وتمت خطبتها لأحد الأشخاص ثم عاشت لحظات من الفرح بالحياة المنزلية التي أرادت أن تتخلى من أجلها عن العمل بالمسرح، لكن انتهى بينهما الأمر بالانفصال.

    أما شخصية إيميلي الثانية التي لم تتحقق في الواقع وإنما نسجت حياة كاملة متخيلة لها فهي الزوجة والأم المتباهية بحياتها العائلية بالرغم من هوس النساء بزوجها ذي النفوذ في عالم المسرح .. تشعر شخصية إيميلي الثانية (السيدة إكس) بالخوف والغيرة من الأولى (الصديقة التي لا يمكنها الانفصال عنها بطبيعة الحال)، وتعرف أن زوجها قد قام بخيانتها معها قبل أن يقطع صلته بها .. تكره تلك الشخصية الثانية كل ما يكوّن الشخصية الأولى: الزهور ـ الأماكن ـ الأسماء ـ الألوان ـ الكتب ـ الأطعمة ـ المشروبات .. هذا يعني ببساطة أن الآنسة إيميلي ناقمة على نفسها، ماضيها، حياتها، كل ما يُشكّل هويتها وتعجز عن التحرر منه .. لذا أنتجت تلك الشخصية المناقضة (كأنما تؤلف مونولوجًا مسرحيًا) وأعطتها حياة مغايرة لكي تواجه تلك الشخصية سماتها الخاصة بما لا تقدر هي عليه .. أن تحاكمها .. تحاول الانتقام منها كما لو أنها شخص مختلف عنها في حين أنها هي التي تفعل ذلك تجاه ذاتها من خلال وسيط مخترع .. الآنسة الوحيدة التي إذا ما نظرت في المرآة ترى إنسانة لامبالية، لا تحب ولا تكره، تستولي على نفوس (ضحاياها) بعواطف مصطنعة؛ تقرر أن تعيد خلق نفسها كامرأة متزوجة وأم لطفلين، كأن هذه المرأة هي الحياة التي لم تستطع أن تحققها تلك الآنسة الوحيدة، ولهذا تحاول المرأة (المتخيلة) أن تنفلت من أسر الآنسة (الواقعية) .. أن تحمي عالمها (المتخيل) من الوجود (الواقعي) لإيميلي الأصلية .. تحاول إكس أن تثبت قدرتها على النجاة ـ رغم كل العلامات المتسلّطة التي تحملها من إيميلي كعاهات مستديمة ـ خارج الحرمان الذي تعيشه الآنسة الوحيدة، وأن تحتفظ كـ (خيال) بكل ما فقدته كـ (واقع).

    لكن ذلك ليس الدافع الوحيد الذي أنتجت من أجله الآنسة إيميلي نقيضتها السيدة إكس .. لقد خلقت الآنسة الوحيدة تلك المرأة التي لديها زوج وطفلان حتى تُجلسها أمامها في المقهى وتستمع إليها ساخرة بينما تؤكد لها بأنه رغم امتلاكها لحياة عائلية فإنها لا تستطيع أن تتحرر منها .. لا تقدر على التخلص من أسرها .. أن كل الملامح الذاتية التي لدى الآنسة إيميلي ستظل تقبض على وجود السيدة إكس، وتهيمن على علاقتها بزوجها وابنيها مهما ادعت عكس ذلك .. جعلت الآنسة الوحيدة تلك السيدة المتخيلة تقوم بذلك حتى تثبت لنفسها أنها (الأقوى) بدون زوج وأبناء .. أنها لم تخسر لكونها تعيش بمفردها، وتجلس في المقهى ليلة عيد الميلاد بعيدة عن أي رفقة .. ذلك الإنصات الساخر غير المكترث الذي كانت تؤديه الآنسة إيميلي نحو السيدة إكس باعتبارها كيانًا مستقلًا عنها؛ كان مصالحة مع وحدتها .. تبريرًا لخصالها ..  كان توطيدًا لفرديتها في مواجهة أحلام الزواج والأمومة التي تقتلها طوال الوقت.

    يبدو الأمر كما لو أن الآنسة إيميلي تعطي مسارين للحياة فرصة للتحقق .. مسارها الحتمي (العنوسة ـ الوحدة ـ التهكم على الحياة العائلية)، ومسارها المتخيل (الزواج ـ الأمومة ـ تحويل الصفات القهرية للذات إلى إمكانات لتجاوز الماضي) .. يبدو الأمر كما لو أن الآنسة إيميلي قد عثرت على ما يكافئ طبيعتها المستقرة، ويعوّضها في نفس الوقت عما حرمتها منه هذه الطبيعة.

    https://mamdouhrizk0.blogspot.com/

    ممدوح رزق كاتب