التناسخ والذاكرة الوراثية – الجزء الثاني

  • 0
  • 256
  • موري برينشتاين أو برينستاين على حسب أصول الأسم من الباحثين المهتمين بالموضوع هو الأخر. موري ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1999. ولد  في كولورادو وكان مهتم بعلم التنويم المغناطيسي وأشهر حالاته وحالات التناسخ التي أثارت الرأي العام وقتها كانت حالة بريدي ميرفي والتي نشر عنها كتاب سنة 1956 بعنوان The Search for Bridey Murphy والكتاب عن ربة منزل تدعى فريجينا تيجا كانت تواصلت معه اثناء جلسة تنويم مغناطيسي وقالت إنها سيدة ايرلندية تحيا في القرن ال 19 واسمها بريدي ميرفي وتحدثت عن بعض تفاصيل حياتها أثناء التنويم، وكان موري من أكثر المؤمنين بالفكرة وروج لها وطبع كتاب تحدث فيه عن اكتشافه للتناسخ من خلال فريجينا التي لم تقتنع كلياً بالفكرة وطلبت منه عدم ذكر اسمها الحقيقي في الكتاب، فاستخدم اسم روث سيمونز بدل من فيرجينيا تيجا _ وهذا ما علمنا فيما بعد _ و قام بكتابة كل شيء بنفسه كما قال المقربين منه اعتماداَ على ما سمعه  خلال جلساته مع فريجينا وعلى أيمانه التام بالفكرة، والكتاب حقق مبيعات ضخمة وتم تحويله لفيلم. وقتها اقتناع الكثيرين بالفكرة وفتح الأمر باب الشك لمن لم يؤمن بالكامل، كما كان سبب تشكك البعض وبحثهم في الأمر بعناية ليعرفوا أكثر وليصلوا لمعلومات مؤكدة، ومعظم الباحثين لم يجدوا ما يؤكدت أو ينفي ما قيل أو الذكريات التي كانت فيريجينا تذكرها، حتى اكتشف أحد رجال الصحافة إن فيريجينا كانت جاره لمهاجرة ايرلندية اسمها بريدي ميرفي، وبالطبع كانت هذه نهاية القصة ونهاية البحث. لم  يأثر هذا الاكتشاف على مبيعات الكتاب أو اعتقاد الكل بالفكرة بالشكل المفترض. تحدث العلماء بعدها عن تصدير موري للفكرة والمبالغة في الوصف وقالوا إن هذا لم يكن غش أو تزييف للحقائق بالعكس؛ ففي حالات الإيمان التام بفكرة معينة يقوم العقل بالمبالغة الغير مقصودة ويسعى بكل الطرق لنشر الفكرة وسط كل محيطه بحماس منقطع النظير مثل مجتمع الأرض المسطحة على سبيل المثال بدون وعي منه بإنه يفعل ما يفعله. وفي النهاية اتضح أن حكاية فريجينا أو بريدي عبارة عن تشوه ذاكرة فقط ليس أكثر.

    حالة ثالثة شهيرة لطفل اسمه جيمس ليننجر مواليد سنة 1998 .هذا االطفل كان مهووس بالطائرات من سن سنتين وكان يفضل اللعب بهم طوال الوقت عن أي نشاط أخر، وكان ينطق أسامي الطائرات بمنتهى السهولة بالنسبة لطفل في سنه مثل ما قال والده ووالدته، إلى جانب الكوابيس التي كانت تراوده دائماً عن قيادته لطائرة تقع وتتحطم أو وصفه لمعركة جوية وصراخه طول الليل حتى يستيقظ  وينتهي الكابوس. مع الوقت تدمير الطائرات أصبحت عادة عنده أثناء اللعب ولما كبر قليلاً زادت التفاصيل عن تحطم الطائرة. تفاصيل مثل نوع الطائرة وخليج ناتوما وهذا ما  دفع أهله إن يبحثوا عن أحد ليساعدهم في فهم ما يحدث ، ولجأوا لكارول بومان وهي بتقدم نفسها بإنها باحثة ومعالجة في مجال التناسخ. التي أكدت لهم أن أبنهم تناسخ لروح بطل قديم، وتواصلوا بالفعل مع المحاربين ممن كانوا في المكان الذي ذكره جيمس، وبعض الناس امنوا بالفكرة وصدقوا إن هذا الطفل تناسخ لروح زميل لهم في المكان وظلوا على تواصل معه، وفي سنة 2009 نشر الوالدين كتاب بعنوان Soul Survivor. وقاموا بكتابته ليتحدثوا عن تجربتهم مع ابنهم المختلف، وكان الكتاب يقدم  تفاصيل هم فقط من بحثوا عن صدقها. وظل موضوع الكتاب بلا  تأكيد أو نفي، فالمعلومات الهامة التي استند عليها الكتاب وأكدت قصة الولد ليست أكثر من بعض الأسماء  قيل أن الولد ذكرها إلى جانب بعض المعلومات العامة.  والعلماء هنا رجحوا إن الطفل في مرحلة من المراحل سمع بعض المعلومات من أي مصدر ومخه قام بالباقي مع حماس اهله وتصدريهم للفكرة مع المعالجة كارول بومان اللي كانت بالنسبة لهم المدخل لعقول من صدقوهم.

    أخر ما سنتحدث عنه الحالة الأشهر على الإطلاق،  حالة باربرو كارلين وقيل إنها تمثل تناسخ لروح أن فرانك أحد أشهر ضحايا النازيه، وهي كاتبة يهودية الديانة. أن فرانك ولدت 1929 وتوفيت في 1945 اثناء الحرب العالمية الثانية. نشر لها كتاب The Secret Annex ,  وهو يوثق ما تعرضت له واختبائهم اثناء اجتياح الألمان لهولاندا بعد ما انتقلوا هناك هي وعائلتها من المانيا، وبعد وفاتها نشر لها كتاب The Diary of a Young Girl و هو عبارة عن الكتاب القديم وعليه بعض الإضافات من مذكراتها اليومية ووصل للعالم من خلال أخر فرد نجا من العائلة ، واستطاع أن يهرب المذكرات من خلال مساعده الشخصي، ونشرت المذكرات سنة 1947 باللغة الإلمانية، وسنة 1952 تمت ترجمته للانجليزية وبعدها نشر بأكثر من 60 لغة حول العالم.

    حالتنا هنا هي باربرو كارلين ولدت في السويد لأبوين مسيحيين الديانة سنة 1954 ومن عمر 3 سنين كانت تقول لأهلها أنا أسمي أن فرانك ولست باربرو، ولم يملك أي منهم فكرة عن صاحبة الأسم وقتها. وكانت باربرو تحكي لأبويها عن تفاصيل من حياتها كآن فرانك وعن اقتحام الجنود لمخبأ عائلتها الحقيقية، وكانت تراودها كوابيس من حياتها كآن وما عايشته في حياتها الأولى، وكانت تعاني عند مواجهة المجتمع فهي في قرارة نفسها تؤمن بأنها فرانك وليست باربرو ،وقتها شعرت بإن الأمر لن يكون سهل الفهم أو الشرح على الأخرين فكذبت على المعالج النفسي الذي لجأ إليه أهلها ليساعدهم في تخطي هذه المحنة، وليساعدها على تجاوز ما تراه وتصفه. مع الوقت اكتشفت في نفسها موهبة الكتابة كما كانت آن ونشرت أول كتاب لها بعنوان man on earth   وهي بعمر الثانية عشر وعام 2000 نشرت كتاب ثان بعنوان And the Wolves Howled: Fragments of Two Lifetimes ويحكي الكتاب عن اضطهاد الحرس النازي لان فرانك وعن تجربتها الشخصية مع تناسخ لحارس نازي كان بيضطهدها في الوقت الحالي كا بربرو كارلين وبإن هذا  لو حدث في الماضي لم يعد مسموح به الآن ولن  يتكرر أبداً. باربرو وصفت منزل آن وعائلتها بالتفصيل ووصلت له مشياً في أول زيارة بدون مساعدة أو خريطة، ويومها كانت خائفة طوال فترة تواجدها في المنزل، وقابلت أقارب أن وهما بمجرد ما رأوها وجلسوا معها مرة واحدة شعروا بإن ما تقول صحيح وأن روح آن بعثت من جديد. وكانت باربرو تعاني من مخاوف غير منطقية بالمرة مثل خوفها من أي شخص يرتدي زي البوليس، ورفضها أكل الفصوليا التي عرفت لاحقاً أن آن لم تكن تتناول غيرها لمدة سنتين في معسكرات التعذيب، ورفضها استخدام الدش لإن في المعسكرات التعذيب كان الدش أخر نشاط يمارسه المساجين، فكانوا يصطحبوا مجموعة في غرفة مغلقة ويطلقوا عليهم غاز مميت، واشياء كثيرة وصفتها باربرو بدقة وبلا أي تفسير منطقي أو عقلاني. والدا بربرو قالا إن هذا في رأيهم ما يسمي بالذاكرة الموروثة، وإن كل اللي تراه ابنتهم عبارة عن ذكريات نقلت لها من أسلاف سابقين لإن هذا التفسير الوحيد المنطقي، وتم استبعد هذه الفكرة فيما بعد بسبب عدم وجود أي صلة قرابة بين الطرفين، وقابلت باربرو كارلين كارول بومان المعالجة التي سبق وتحدثنا عنها وفي نهاية اليوم حكت بومان حكاية رأت إنها توصل رسالة هامة. قالت إنهم استقلوا تاكسي يقوده سائق يهودي يرتدي الزي التقليدي للطائفة المؤمنة بالتناسخ، ورأت بومان إن هذه أحدى رسائل القدر للعالم وتأكيد على القصة. بعد فترة المراهقة راحت  معظم ذكريات باربرو كآن تتلاشى وهذا كان خبر سعيد بالنسبة لها لإنها أخيراً ستحيا بشكل طبيعي وتكون أسرة بدون القلق والتوتر المصاحبان للذكريات التي  كانت تراها. وعن رأيها في موضوع التناسخ قالت باربرو إن التناسخ قد يجعل العالم مكان أفضل لإن أن فرانك كانت يهودية، وباربرو مسيحية، فلو كل الطوائف شعرت أو أمنت إنهم قد يعودوا للعالم بديانة مختلفة، فقد يجعلهم هذا الأعتقاد أكثر تسامح مع بعضهم البعض، ويجعلهم يقبلوا الأخر، ويقلل الحروب، وكانت هذه فكرتها الحالمة عن الموضوع، ما بتتنافي مع معظم المعتقدات عن التناسخ  في الأصل. كنا قد ذكرنا إن التناسخ في الأغلب يتم للتكفير عن خطايا سابقة أو للوصول للكمال، فهل في حالة رجوع شخص بديانة أخرى يجعله شخص صالح أو يوصله للكمال؟ في الغالب لأ لأن كل شخص يرى معتقداته وأفكاره هي عين الصوب

    . عموماَ الكثير من المواقف والحكايات مثل حكايتنا لم يكن لها تفسير وكان مجرد الكلام فيها قديماً يعد من المحرمات، ومع الوقت العلم فسرها بشكل منطقي لم يخطرلنا ببال، ربما مع مرور الوقت نجد تفسير لحالة باربرو كارلين وحالات غيرها حيرت العالم. في نهاية الأمر الشيء الوحيد المؤكد من هذا الموضوع برمته هو إن اقتناعنا بفكرة بشكل مبالغ فيه يؤثر بشكل كبير جداً  في طريقة تعاملنا مع الفكرة وبالتبعية يؤقة على طريقة حكمنا، مما يجعلنا مغيببين بشكل ما. وعليه فالمفروض أن نحافظ على حياديتنا في التفكير حتى لا ينتهي بنا موصومين بالحماقة وتظل هذه الصورة التي  تمثلنا حتى نهاية المطاف.

    سارة الشافعي Freelancer

    خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءة في شتى المجالات.