بلال عبّاس: حكاية صبر في السجن

  • 0
  • 0
  • “روحي فِداك يا أبتي، لو آخر يومٍ في عمري سأُسفرك لحج بيت اللّه الحرام بصحبة أُمّي”
    كانت هذه آخر الكلمات التي قالها البطل بلال عباس ابن مدينة سلفيت، صاحب قول الحق والعزيمة، لم تنحنِ هامته، بل رفعها كنخلة طويلة مُثمرة بكثير من الثمار، لا يزال صابراً، يُناضل باسم القدس والوطن.
    الأسير بلال عباس خضر عبد الفتاح، 38 عاماً من عمر الوطن، اعتُقل بتاريخ 20-8-2002، وبهذا يكون أمضى 19 عاماً في كنف والده ثُم انتقل للجوار الأعظم ليُصبح فارساً في ميدان بطولات الوطن ويحمل لقب الأسير، حتّى قضبان السجن وعتمة اللّيالي القارصة فيه، لم تمنعه من مواصلة تعليمه، إذ حصل على درجة البكالوريوس في تخصص الاجتماعيات بتقدير ممتاز، نموذج كهذا يُحتذى به للأيّام والأجيال القادمة.
    زارته والدته كلفها بتر أصبعها
    قبل نحو 9 أعوامٍ من البُعد والظلم، زارته والدته ضمن الزيارة المُحددة لها، يومها خرجت من البيت فجراً أو قبل ذلك، لتتمكّن من الزيارة، لتراقب طيفه من اللوح الزجاجي، وتسمع صوته من الهاتف المُشوّش، لتلمس رأسه ووجهه دون قدرتها على اللمس والاحتضان، من شدة شوقها رُسمت يدها على الزجاج.
    أثناء دخولها الطريق المُؤدِ إلى البلال،أو إلى لوح الزجاج البارد الذي سترى ولدها منه أغلق الجنود الباب على إصبعها ماأدى إلى بتره فيما بعد، حالت مشاعر الأمومة بينها وبين ألمها، لكنها بقيت بقوتها وخبأته بطرف حجابها لكي لا يعرف ابنها أنها تتألم، لكن دماءها سالت بقوة أكبر من قوتها، أوقف بلال زيارتها وجاؤوا بالاسعاف، لكنه لم يُسمح له بالاقتراب أو تقبيل يد والدته.

    مهما بلغت جُدران الزنزانة أسوارها وأشواكها لا تستطيع قتل أسرانا، ومهما زادت قسوة السجان لن تمحيَ عزائمهم، فالمغوار بلال استطاع أن يُثبت انهياره أمام شقيقته (سيرين عباس) عند سماعه نبأ وفاة والده، احتسبه عند الله، وأمد أخته بالصبر والسلوان، لم تستطع كتم دموعها أمامه، لكنه بقي صلباً، ثابتاً، قوياً، راضياً بحكم الله وقدره عليه.
    زهرات الوطن تُقلع وتُنقل إلى السجون، تتشبث بالأرض، وتُعطر أجواء الزنزانة النتنة، أسيرنا بلال دخل السجن وعمره 19 ربيعاً، بلا أهداف تُذكر، وبلا أحلام تُنتظر، بلا أملٍ، بلا غدٍ مشرق، كان أمامه الوطن فقط، الوطن وكُل الوطن، كان في مُقتبل عمره، والآن في عقده الثالث، دون علمٍ بأي عمرٍ سيخرج من بين قضبان السجن، فحكم المؤبد لدى الاحتلال يشبه مدى الحياة، فماذا عن حكمٍ يقضي بالسجن 15 عاماً ومؤبدين؟

    سماح اليونس كاتبة