تلك القطع الصغيرة

  • 0
  • 832
  • إستهوتني لعبة البازل مع الجائحة والعزل، وبعد مشاهدة فيلم في تلك الفترة يحمل العنوان نفسه.

    وقتها تأملت كثيرًا قدرتنا على العمل الجماعي وكيف أننا ننجز كمجموعة بطريقة، ربما أفضل، من خلال التعاقب في العمل، بمعنى أن يترك كل منا الآخر ليعمل في هدوء، لنستكمل العمل واحد تلو الآخر بدلًا من العمل في الوقت نفسه أحيانًا، وكيف أن في ذلك نوع مختلف من القدرة على العمل مع الآخرين. كمن يبني بيت ويكمل معه الآخرون البناء.

    ومع البازل الأول، اكتشفنا، لسبب ما، فقدان إحدى القطع. ولكن في حقيقة الأمر لم يغير ذلك كثيرًا من الشكل النهائي، فقد شعرنا بسعادة الإنجاز وكانت الصورة واضحة، جميلة.

    هذه المرة ومع خبرة البازل الثانية ومع وجود قطع أكثر صعوبة كانت فكرة الصورة المكتملة للحياة هي ما يشغلني. كيف أننا حتى نصل إلى صورة واضحة لحياة كل منا، نحتاج إلى تلك القطع الصغيرة، غير الواضحة في بعض الأحيان ولكن من دونها لا تكتمل الصورة (سمعت من يتحدث من قبل عن اللون الأسود في الصور وأهمية اللحظات الصعبة وقبولها في الحياة) ولكنني الآن أفكر في الكيفية التي نمضي بها وقتنا.

    فأحيانًا نعتقد أننا أمسكنا بالقطعة المطلوبة ولكنها تكون في وضع خاطىء، فنمكث أمامها ونحن لا نعرف ماذا يمكننا أن نفعل بها، ومن هنا تظهر أيضًا أهمية الزاوية التي أنظر بها، سواء للقطعة أم للصورة.

    ما هي إذن القطع التي تكون الصورة الكاملة لحياتنا؟ كيف نراها؟ وكيف نعثر على مكانها الصحيح؟

    هل يمكن أن تكون تلك القطع، إذا كانت جميعها لها شكل واحد كافية لتصنع صورة جميلة في نهاية المطاف. وكيف يمكن لحياتي أن تكون ملونة ومتنوعة؟

    في حوار مع ابنتي في بداية فترات العزل عن صعوبة المكوث في المنزل لمن اعتاد أن يكون له روتين معين في يومه، والخروج كل يوم ليذهب إلى العمل. كنا نتحدث عن أهمية أن يكون لكل منا اهتمامات متنوعة ومختلفة، ولا نضع اهتمامنا كله في أمر واحد. فأنا لا أعيش لأعمل، ولا أعيش من أجل عائلتي واصدقائي ولا من أجل هواياتي، ولا حتى من أجل الجانب الروحي والإيماني وقدرتي على مساعدة الآخرين، ولا من أجل الحصول على تقدير افتراضي على وسائل التواصل (الأمر الذي أصبحت له أهمية بالنسبة للكثيرين)، بل أنا كل تلك الأشياء وأكثر. فكل منا يبحث عن التوازن من خلال حياة متكاملة.

    كثيرًا ما أفكر هذه الأيام وخاصة مع ظروف الجائحة ولاضطرارنا للبقاء في المنزل في أسباب السعادة والأمور التي تدفع كل منا على الشعور بالرضا وتمنحنا القدرة على الاستمرار على الرغم من الأمور المحيطة بنا.

    ولكن بغض النظر عن الجائحة فمن يتقدم بهم السن ويرحل عنهم الأبناء سواء للدراسة أو لبداية حياتهم الجديدة، أو حتى من يخرجون إلى سن المعاش، جميعهم بلا استثناء يمرون بمراحل استثنائية من التغيير التي بالتأكيد تؤثر على إيقاع حياتهم وتجعلهم يفقدون إلى حد ما توازن حياة معتادة وروتينية.

    فالحياة بالاعتماد على جانب واحد، نوع واحد من القطع، لون واحد من الألوان، لن تكون سهلة بالتأكيد إذا ضاعت إحدى تلك القطع أو اختفى اللون، بل لن تشكل في نهاية الأمر سوى صورة بلا معالم، ربما نظرت إليها من بعيد، بعد مدة، وشعرت بعدم الرضا، وهو ما يحدث للكثيرين في سن معين أمام السؤال المشهور: ماذا أنجزت في حياتي؟

    تُرى كيف نصنع من صورة حياتنا شكلًا متنوع الألوان والقطع؟ وما هي القطع التي يمكن أن تصنع التوازن في حياة كل منا، بحيث تتكون صورة ما في النهاية، نحبها ونرضى عنها، حتى وإن فقدنا واحدة من تلك القطع؟

    أماني فوزي حبشي مترجمة

    تترجم من الإيطالية إلى العربية وتحب الكتب والحياة والناس