حتى ينهمر عليك النشاط!

  • 3
  • 1٬000
  • شاهدت قبل سنوات مقابلة تلفزيونية جمعت الممثلين عمر الشريف، وأحمد رمزي، ظهر فيها الرجلان المُسنان، وقد رسم الزمن آثاره على وجهيهما، وأضعف جسديهما، وأغلظ صوتيهما. وفيما بدت أمارات الكآبة على أحمد رمزي، ظل رفيقه دكتور جيفاغو الستينيات، كما هو، بعينين مشرقتين، وابتسامةٍ لطيفة، وروحٍ مرحة. يمكن أن نستنتج سببًا لهذا التألق من كلامه، فعندما سُئل عن غلبة السمة الشبابية في أفلامه الأخيرة، أجاب إنه يتعمد العمل وقضاء جُلّ وقته مع الشباب ليتشرب منهم روح الهِمَّة والعُنفُوان.

    وفي مقابلة أخرى، يقول أحد رجال الأعمال إنه معتاد كل صباح زيارة مدرسة ليشارك في الطابور، ويصف هذا بالمنظر الذي يشرح الخاطر، ويملأ في نفسه الحماس طوال اليوم، بعد أن يقتبس من حيوية الأطفال ونشاطهم.

    يُعرف الناجح باستخدام نمط روتينيّ؛ فكثيرًا ما يُقال إنه يقوم بكذا وكذا كل يوم. إن تطبيق هذه الأنماط يُرشد طاقة الإنسان، ويبني مع الوقت إنجازاته ويرسِّخها، ويجعله يجد راحة من توقعاته، في حين أن المفاجآت الغامضة تجعله يعيش حالة من الشك والارتباك.

    وأحد أنماط الناجحين، هو اقترابهم المتكرِّر من مصادر النشاط والحيوية غير المحسوسة، تلك التي يجدونها غالبًا لدى أبناء الحياة الغِضاض، المتطلعين للمستقبل، أو ذوي التجارب، المتفائلين المنتجين؛ فالناس كائنات اجتماعية، والحيوية شيء معدٍ، يستجيب لها الجميع ويرغبون في الشعور بها، كما أن الناس يكتسبون الطاقة، والإلهام، والمهارات، والطباع، من الأشخاص الذين يعيشون حولهم بآلية غير معروفة، يستجيب لها العقل والجسد تلقائيًا. فمثلًا من السهل ممارسة التمارين الرياضية في البيئة التي يقوم بها الآخرون بممارستها، حيث يُنشط العقل هذا النمط عند مشاهدتهم، والنشاط البدني بحد ذاته مُنتج دائم للحيوية. وعلى المنوال نفسه، من السهل الشعور بالنشاط للقيام بأي عمل، عندما يقترب الشخص من الآخرين، ويشاركهم أو يشاهدهم وهم يعملون.

    لم تعد عبارة “صديقكُ من صَدَقَك لا من صدَّقك” دقيقة، بعد أن أثبت بحثٌ منشور أن الصديق “هو من يقول لك سرًّا!”. ففي دراسة “فرضيّة التحالف في الصداقة الإنسانية” (2009م) طُلب من المشاركين تقييم الفوائد المادية والاجتماعية من صداقتهم، شملت مؤشرات عديدة، منها التشابه، وتبادل الاهتمام، ومشاركة الأسرار. وحاز هذا الأخير المعدل الأعلى. ولكن لاحظ أن السرّ هنا، ليس ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه النَّاس، بل هو المعلومة المفيدة المخبئة، أو العاطفة الذاتية الصامتة، أو الطُرفة المسلية المجهولة؛ تلك التي تبني بين الأشخاص الثقة والحُب والصداقة، أضف إلى ذلك أن الإنسان يرغب بطبيعته قضاء الوقت مع الأشخاص الذين يقدِّرون الفكاهة، أو يكونون سببًا فيها.

    وإذا كان الإنسان يتأثر من إيحاء نفسه لنفسه في حديث النفس، فكيف بإيحاء الناس حوله. ويخبرنا الاستنتاج هنا أن سرّ الحيوية، بالإضافة إلى القهوة العابقة، والطعام الجيد، والنوم المريح، والتمارين الرياضية، هو الاقتراب من مصادر النشاط المتجدد، تلك التي ستصيبك حتمًا بشلالها المنهمر.

    *القافلة الأسبوعية.

    بندر الحربي كاتب ومترجم