رواية “الكتب التي التهمت والدي”

  • 1
  • 0
  • على مدار ١١١ صفحة، ولمدة أربع ساعات متواصلة، سيدفعك الكاتب (أفونسو كروش) للقيام بثلاثة أمور: القراءة بسرعة لم تكن تدرك أنك تستطيع الوصول إليها من قبل، الإنعزال عن كل صوت من شأنه أن يقتحم أذنك، واحتساء قهوتك على دفعة واحدة لأنك لا تريدها أن تبرد وفي الوقت ذاته لا يسعك الانشغال عن صفحات هذه الرواية بشرب القهوة… سيسلبك (كروش) – بحسه البرتغالي العميق الذي أشبه بلاعب وسط بين الخيال والسخرية والسحر- من مكانك لتجد نفسك محاطاً بشخصياته الروائية وكأنك تجلس معهم على مائدة العشاء. وعلى خلاف البرود والأسلوب الساخر الذي صنعته الأرقام والنسب الحمقاء، في روايته “هيا نشتر شاعراً” نجد في رواية ” الكتب التي التهمت والدي” من الخيال والسحر ما يكفي لأن نستمر بتقليب الصفحات دون توقف وكأننا نحاول التسابق مع عقارب الساعة خشية أن ينتهي وقت منتصف الليل وينتهي السحر فتبقى حسرة في أنفسنا أننا لم نستطع إكمال باقي الصفحات. ولكن مع ذلك لا نستطيع كبح رغبتنا في الوقوف على بعض السطور عدة دقائق وإعادة قراءة بعضها الآخر مرات ومرات.

    ” إن الكتب التي تستند ظهورها إلى كتبٍ أخرى فوق الرفوف عبارة عن عوالم متوازية”

    تدور الرواية حول (فيفالدو بونفين)، الرجل الذي أراد أن يلتهم الكتب فسبقته هي بدورها. حيث تبدأ القصة بحصول إلياس بونفين على مفتاح سرداب والده الذي اختفى في عالم الكتب، وذلك بعدما منحته إياه جدته بوصية من أبيه ” سلميه المفتاح حين ترين أنه أصبح قادراً على قراءة كتب عُلِّيتي”. بعدها دخل إلياس – الشخص المصمم على ما يريد – في حلقة بتتبع أثر والده فبدأ بقراءة الكتاب تلو الآخر عابراً حدود بعيدة  ماراً بلندن وروسيا، غير مكترث بالمسافات أو حتى التأخر على موعد العشاء. فيلتقي بشخصيات من كتب قد تبدو لنا نحن القراء مألوفة ولكن دورها في هذه الرواية قد يختلف قليلاً عما عهدناها عليه. فرحلته تبدأ من جزيرة الدكتور مورو وتتوقف قليلاً عند دكتور جيكل ومستر هايد ليواصل السير بعدها في رواية الجريمة والعقاب، إلى أن تنتهي الرحلة عند درجة حرارة 451 فهرنهايت

     لم تكن الحبكة وسرعة الأحداث ما سحرني في هذه الرواية، ولا وصف الأماكن والشخصيات، ولكن شعور أن الكاتب يكتب عنك وعما يدور في عقلك وقلبك وكأنه يعرفك أكثر مما تعرف نفسك هو ما أضفى على الرواية هذه الجاذبية.

    ففي بداية الرواية عندما وصف إلياس والده حينما كان يقرأ الكتب خلسة أثناء عمله وينغمس فيها لدرجة أنه يفقد السمع والإدراك بما يدور حوله، وأيضاً عندما قام بإخفاء كتبه في المكتب، عادت بي الذاكرة لفترة ليست ببعيدة كنت أقوم فيها بالأمر ذاته ولكن في أثناء الدرس، كنت أختار مقعداً متوارياً عن أعين المعلمة وأنغمس فيه فلا أسمع ما تدور حوله حصة الفيزياء أو التاريخ وإنما أكون في عوالم أخرى مع أشخاص موازين، كنت أخفي الروايات كما أخفاها بونفين ولكن أنا كنت أخفيها في الكتاب الدراسي وليس أسفل أوراق العمل فكنت تجد أحد كتب باولوا كويلو في كتاب الكيمياء ورواية تدور أحداثها في النصف الآخر من العالم داخل كتاب الرياضيات، حتى أذكر أنني تعرضت للتوبيخ في إحدى المرات لانخراطي بالحديث مع إحدى الزميلات عن أحداث رواية قرأتها في اليوم السابق. أعلم أن هذا الأمر يعد خاطئ فلكل وقت حقه، ولكن في الحقيقة الخطة كانت ترسم بحيث أقرأ عدة صفحات إلى أن يحين موعد الدرس، ولكن هل يوجد في الأدب من يكترث بالزمان والمكان وأي كاتب هذا الذي سيسير على ما تم رسمه من خطط ! ففي النهاية كانت الكتب تلتهمني أنا أيضاً، وفي الواقع أن كلمات الأدباء وروايات الغموض وغيرها كانت تروقني أكثر من معادلات الرياضيات ومواضيع الفيزياء ولكن الحياة أحياناً كما قال (كروش):” لا تولي اعتباراً لما نحب”.  

    سلمى عديلي مدونة