سبعة أيام من اللاشيء

  • 0
  • 0
  • قضيتُ من العشرة ليالي السابقة خمسة في سريري، واثنان متجولة بصعوبة في أنحاء منزلنا. أصبتُ بوعكة صحية جعلت من القيام بأي شيء بالإضافة للتنفس _بصعوبة_ أمرًا شاقًا، حسنًا هذه ليست حقيقة بالكامل، ربما في الأيام الاوائل من السبعة أيام كان فعلًا أي مجهود حتى التنفس يتم بصعوبة، إلا إنه باقي الأيام أمضيتها في مشاهدة مسلسلات على هاتفي المحمول، ولقد أكتشفت أنه قد تراكم عليّ عدد لابأس به من الحلقات، حقًا لم أكن أتخيل هذا. لم تكن هذه مرتي الأولى في قضاء مدة زمنية طويلة من اللاشيء، إلا إنها كانت المرة الأولى من أشهر.

    خلال السنوات السابقة مررتُ بفترات طويلة مُتفرقة من الاكتئاب والتي كانت تأخذ من عمري ليالٍ طوال من اللاشيء. كنتُ استيقظ صباحًا فأقضي عدة ساعات في سريري متأملة في اللاشيء، ثم أفتح حاسوبي المحمول لأقضي ما تبقى في اليوم في مشاهدة مسلسلات بلا هدف، كنت أتعمد إختيار مسلسلات طويلة من حيث مدة الحلقة أو عدد المواسم، لم تكن لدي الرغبة في إتخاذ أية قرارت حتى وإن كان هذا القرار هو “أي مسلسل سأشاهد اليوم؟”. خلال هذه الفترة تصالحت مع فكرة أنني مريضة اكتئاب، وأن الاكتئاب مرض مزمن لا تُشفى منه تمامًا، إنما هي رحلة، رحلة طويلة ومؤلمة لتتمكن فقط من الخروج من تحت سيطرته، من التخلص من مخالبه التي تنهش عميقًا في دواخلك، ويجب أن تكون على علم إنه بانتظارك رحلة أطول من بذل أقصى ما تقوى عليه لكي لا تسمح لنفسك بأن تقع ضحيةً له مرةً أخرى، الاكتئاب هو عُمر من المقاومة.

    في نهاية هذه الفترة، حسنًا هي لم تنتهي بعد، فلازالت نتائجها ظاهرة، يرى البعض أن ما أمر به الآن هو ضعف عام نتيجة إستنزاف كامل طاقتي في محاولة البقاء ومقاومة انتصار الإعياء، بغض النظر، في اليوم السابع تحديدًا وجب علي إتخاذ القرار بالتحرك من سريري وفتح الشباك لأسمح لضوء النهار وأشعة الشمس بالتغلل في الحجرة وإزالة آثار الإعياء والكسل، وقد كان هذا القرار من أصعب القرارات التي توجب عليّ إتخاذها في الأشهر الثمانية الماضية أعتقد. وهنا صدمتني الحقيقة، لم يتغير شيء!

    خلال الأيام الماضية لم أجد في داخلي الطاقة سوى للتواجد، لا نهاية للحالة التي أمر بها، لا هدف، لا رغبة لإيجاد هدف، لا عمل، لا تجهيز للاختبارات القادمة، لا شيء. بقدر ما أكره ضعفي وإعتماديتي في أوقات مرضي، إلا إنني قد كنتُ مستمتعة بهذه الحالة من اللاشيء. لقد كنت في المجمل من المحظوظين، فأنا لا أمرض كثيرًا، إلا إنني حين أمرض يأتيني المرض كصفعة تذكرني أنني بشر. لستُ منيعة، ولا أستطيع الحياة وحدي على الكوكب.

    لكن، لماذا الآن؟

    أعتقد أن السبب الرئيسي لما حدث يكمن في أنني لم آخذ يومًا كاملًا من الراحة خلال الأشهر الماضية، ثمان أشهر مروا بلا فترة واحدة من اللاشيء. كنتُ متحمسة جدًا لطبيعتي الجديدة المُقبلة على الحياة، وعلى الناس، فلم أكن يومًا من محبي البشر، ولم أستطع يومًا التعامل معهم، إلا إنه ومنذ ثمانية أشهر ولسبب لا أعلمه، ولا أشغل نفسي بمحاولة إيجاده بدأت في هذه الرحلة من تناول القهوة وتبادل أطراف الحديث مع العديد من الغرباء، بدأت في تحقيق عدد من أمانيّ والتي وبطبيعة الحال تستلزم خروجي من المنزل، كثيرًا. سافرتُ، أكتشفتُ شغفي بالكتابة، بدأتُ في رحلتي كمتدربة في الشركة التي أعمل بها حاليًا، ثم أنتقلت للعمل بشكل دائم بها، أثناء هذه الفترة بدأت الدراسة في سنتي الجامعية الأخيرة، فبين العمل والمحاضرات وممارسة هواياتي والتي أنتقلت لتصبح عبئًا بدلًا من منفذًا للتفريغ عن الأعباء، حتى النوم في حد ذاته أصبح واجبًا لتعيد شحن طاقتك لبدء يوم عمل جديد. لم أشغل نفسي بالتوقف قليلًا، لم أسمح لنفسي بالتمهل، لم أستمتع بساعة بلا تفكير، أو عمل بلا هدف.

    ها أنا ذا وقد أستجمعت قواي، وأجبرت نفسي على الحركة، وسمحت للشمس بالدخول. مع صدمة المرض، ومع حقيقة أنني بشر لست منيعة ضد المرض والإعياء، أعتقد أنني صُدمت بحاجتي لفترات من اللاشيء. لم تكن فترة مرضي إختبارًا في حد ذاتها بل كانت هبه، فأنا لم أكن سأتمكن من البقاء لأسبوع كامل لا أفعل شيئًا سوى التواجد على وجه الأرض فقط، دون أن يكون السبب هو أنني فعلًا لا أقوى على فعل أي شيء آخر. لم يكن هذا الاسبوع نقمة بل كان نعمة. ربما الهدف من هذه التدوينة هو تقدير قيمة اللاشيء.

    وأجل، لازالتُ أحارب الاكتئاب، أشعر بمنابته تنمو في داخلي يوميًا، وأعمل جاهده على خلعها من جذورها يوميًا، وأخشى إنني سأظل أفعل إلى يوم مماتي. فـ هل حقًا تغير شيء؟

    هدير طارق البدوي صانعة محتوى