عاداتنا تُقيِّدنا دون أن نعرف..

  • 0
  • 464

  • يوم أمس كانت المرة الأولى التي أقدم له فيها طعام الإفطار وكانت المهمة الأصعب، لذٰلك أبذل جهدي في التملص منها دائماَ. منظم جداً فيما يخص به نفسه. لم يكن موجوداً كثيراً بعد ولادتي ولا طفولتي، للتو بدأت أتعرف عليه بعد أن تقاعد من العسكرية. ومؤخراً أصبح لا يكاد يخرج من المنزل وما دمنا في الأيام الأولى من التزامه بعدم الخروج فهو إذاً شخص غريب ونزيل لدينا يصعب فهمه. لا يأكل في أي صحن يُقدم له ويجب على حجم الملعقة التي يحرك بها السكر أن يكون مناسبا لحجم الكوب ولا ننسى هنا بأن شكل الملعقة أي رأسها يجب أن يكون بيضاوي الشكل لأنه لا يحب الملاعق ذات الرأس الدائري، هناك أيضاً هذا الكوب المخصص له ومن المهم الحفاظ عليه لألا يُكسر فما إن يحدث ذلك حتى يصعب علينا دائماً إيجاد البديل. نبحث في أكثر من مكان عن أي كوب أخر يشبه المكسور ويأخذ المقدار نفسه من الشاي، لا يقتنع بتغييره ويظل يتذمر من كوبه الجديد حتى يعتاد الأمر. هناك ثلاثة أكواب قد مرت عليّ طيلة الأربع سنوات الأخيرة اثنان قد كُسرا أما الثالث فهو ما يشرب فيه الآن ولا يزال يصلح للاستخدام. حذائه أيضاُ تعيش معه لمده طويله وقميص نومه أكاد لا اذكر رؤيتي ارتداؤه لغيره، يحاول ان يتغير ولا أنكر أبداً جميع محاولاته الفاشلة. يشتري العديد من القمصان بتدرجات الرمادي الذي يحب ثم يلبسها ليوم واحد أو يومين لإرضاء أمي ثم تفوز بها الخزانة ويعود لسابق عهده، هكذا كان في كل شيء من مخدته التي أصفّر قطنها وضعف حجمها ولا تزال جيده في نظرة فلماذا علينا استبدالها مادامت تفي بالغرض؟ أما شراشف السرير ذات اللون الأسود الباهت يغسلها مره بعد عدة أشهر وأحياناً يهملها لأكثر من سنه إذا شعر بعدم أهمية الأمر ولم تكن لتتسخ على أي حال.
    ـ عن الوقت فهناك ساعة محددة يستيقظ فيها كل يوم وهي التاسعة وثلاثون دقيقة لا تزيد حتى بدقيقة واحدة وكأن هذا المنبه قد عقد صفقته مع الساعة البيولوجية التي تعيش بداخل عقله فهو أبدأ لم يفكر في ساعة منبهه ليتكل عليها وما يقتنيه من هاتف لم يعد موجوداً في الأسواق منذ مدة ولم يكن لينتبه لمرور كل تلك الهواتف. ذات يوم سُكب على هاتفه ماء بالخطأ وواجه صعوبة في إصلاحه واضطر للسفر حتى يبحث عن هاتف من نفس نوعه وهناك وجد من يصلحه له، كان طيلة تلك المدة مشدوها مكتئباً بدا وكأنه الوحيد العالق في ماضية ويرفض بشدة الخروج عنه وكان يقول ” الخوف رفيقنا الودود من الطفولة لا يفارق جيوبنا فكيف لهذا العالم أن يفهم بأني أرفض التغيير ولا اريد سوى أن يفيق هذا الهاتف اللعين من غيبوبته ” بعد الإفطار يُقلب قليلاً في قنوات التلفاز بحثاً عن الأخبار ثم يترك بقايا طعامه على الطاولة ويذهب ليعود الى النوم، هناك في الصالة على الجانب الأيمن بالقرب من التلفاز أريكته المخصصة له، مفروش عليها لحاف ثقيل باللون الأحمر الداكن ومن القطن الصناعي لا يجلس عليها أحد غيره ومره أخرى يستيقظ في الساعة الثانية والنصف بعد الظهيرة ويكتفي بالمضمضة دون غسل وجهه يجلس على أريكته لنصف ساعة بعد شرب كوب ماء دافئ مع شريحة ليمون ثم يذهب للاستحمام في تمام الساعة الثالثة والربع ليخرج ويجد أمي قد قامت بتحظير الغداء له ويكون عبارة عن الخبز المصنوع بالدقيق الأسمر ومن ثُم يوضع في الخلاط مع الحليب منزوع الدسم ويُخلط حتى يصبح كالحساء وبجانبه كوب أخر من الحليب ولكنه هذه المرة مع القرفة .ببطء شديد يأكل تفصل بين كل لقمة وأخرى الكثير من الدقائق، يمتص الخبز الحليب ويبرد مكون طبقة في الأعلى وهو لا يزال في منتصف الاكل. يستمر على هذا الوضع حتى الساعة الخامسة، أحيانا يذهب للنوم حتى الثامنة فيفتح نافذة غرفته المصنوعة من حديد بلونها الأبيض ويُطفئ الضوء. يتمدد هكذا دون أي صوت أخر سوى ارتداد نَفَسه وصرير الكرسي وأحيان أخرى يجر ساقيه للخارج ويتمشى قليلاً ثم يشتري بعض الصحف إن وجدها وأربع علب لبن وعلبتي زبادي جميعها منزوعة الدسم يُقسمها على يومين حتى لا يضطر للخروج في اليوم الّذي يليه.
    هكذا كان طيلة فترة مكوثه بيننا ولا يقوى حتى على استبدال وجباته بشيء أخر وكأن معدته لن تتقبل وجبه خارجة عن نطاق معرفتها، رتابة أيامه ثقيلة، وقاتلة كالسم. استطعنا كُلنا بالتدريج حفظ هذا الجدول لتكراره المستمر، وظللت أفكر كيف لإنسان أن يدفن نفسه في عدة عادات دون القدرة على تغييرها؟ وكيف لهذا السجن الضيق أن يقتل الشغف ويحجب المُتعة في اكتشاف الذات؟

    علا الحوفان كاتبه