عندما قلنا وداعاً للتراث…

  • 1
  • 0
  • من اخترع الورق ؟

    في سابق العهد كان الإنسان البدائي يجهل الورق، ولهذا فقد كان يكتب على الخشب أو الحجر ، ثم تطور الأمر وبدأ يكتب على أوراق النخيل والعظام ، ثم فكر الإنسان القديم في المعادن حيث كتب على صفائح الرصاص ، وأخيراً اخترع الفراعنة ورق البردي لينتشر استخدامه في كل أنحاء مصر وربوعها وينتقل بعد ذلك إلى اليونان وإيطاليا.

    في القرن الأول الميلادي اخترع الصينيون الورق الذي نعرفه حالياً ، حيث يرجع الفضل إليهم في إنتاجه من نبات يسمى الخيزران(البامبو)،وتطور الورق في صناعته بشكل كبير بعد اختراع غوتنبرغ لأول مطبعة ، حيث بدأ الإهتمام بأنواع الورق المختلفة وألوانها وسمكها . إن التقدم التكنولوجي في صناعة الورق أدى إلى إنتشار الكتب وازدهار المكتبات في كل مكان ، وقد كانت الحضارة الإسلامية سباقة في هذا الشأن حيث ارتقت صناعة الورق بشكل لم يسبق له مثيل في العصر العباسي ، لا سيما في عهد الخليفة هارون الرشيد الذي أمر بإنشاء أول مصنع للورق في بغداد ، مما ساهم في صعود المسلمون وتميزهم العلمي الذي أدى بطبيعة الحال إلى نهضة الحضارة الإسلامية حتى أصبحت حضارة عالمية ، في وقت كان فيه الأوربيون يكتبون على جلود الحيوانات .

    • سحر الورق

    لقد كان للورق سحر غريب ، بل وساهمت الألوان اللامعة والرسومات في ظهور ما يسمى بالموسوعات ، والموسوعة هي عبارة عن مؤلف يحوي معلومات عامة حول موضوعات متعددة ، ويغلب على تلك المعلومات الإيجاز ، وتعتمد على دقة التنظيم وفي أغلب الأحيان يتم الإستعانة بالصور والرسومات الجذابة في الموسوعة ، حتى يسهل الكاتب على القراء فهم ما يبتغيه من وراء موضوعه ، وفي ذات الوقت يعطي موضوعه الجانب التشويقي والترفيهي الذي يقلل الملل لدي متابعيه .

    اكتسب الورق على مدى العصور جمال وإثارة لا يضاهيها إثارة ، وقد ساعد على ذلك ظهور الشعر والشعراء مما ساعد على إستكشاف الخطابات والرسائل ، فقد كانت المراسلة لهي الوصال والرابط بين الأقارب والأصدقاء في أوقات الترحال والسفر .

    صداقة المراسلة

    في القرن العشرين بدأ الأمر يتسع رويداً رويداً لتنتشر هواية تسمى (المراسلة ) ، والمقصود من تلك الهواية ليس تبادل الرسائل بين الأقارب والأصدقاء ، بل تبادلها بين الغرباء في جميع أنحاء العالم ، وقد عرف شباب الثمانينات والتسعينات تلك التجربة الغريبة التي كانوا يقبلون عليها من خلال الجرائد والمجلات ، وقد اشتهرت مجلة الشباب في ذلك الوقت بدعم هواة المراسلة ، وذلك بإمدادهم ببعض العناوين المتداولة لكل بلاد العالم لكي يتعارف جميع الناس في شتى مناحي الأرض ليتجاذبوا الأحاديث والأخبار فيما بينهم ، وكان ذلك مدعاة للخيال الواسع ، حيث كان الناس يتراسلون ولا يعرفون بعضهم البعض ، وإذا كان هناك من يعاني العزلة فإن له في الرسائل نصيب .

    ظهور الحواسب الإلكترونية

    في نهاية القرن العشرين ، أي في نهاية فترة الثمانينات وبداية التسعينات قادت الأبحاث العلمية السير تيم بيرنرزلي في المنظمة الأوربية للأبحاث النووية إلى تطوير الحواسب الإلكترونية وتوصيلها مع شبكة العلوم القومية بالولايات المتحدة ، ومن خلال عدة تجارب فيزيائية استطاع هذا العالم العبقري أن يصل إلى تقنيات شبكة الويب الكهرومغناطيسية ، وربطها بمستندات نظم معلوماتية ليخترع الشبكة العنكبوتية العالمية (الإنترنت) مما كان إيذاناً بالثورة التكنولوجية وبدأ الأوربيين والأمريكان ينتقلون من الرسائل إلى الإيميل حيث ظهرت خدمة الرسائل الفورية على شبكات عالمية مثل الياهو والهوت ميل .

    الأوراق الإلكترونية

    في عام 2008 بدأ الإتجاه في الدول الغربية يذهب إلى محاولة إستبدال الورق العادي بالأوراق الإلكترونية ، وذلك بغرض تسهيل الإجراءات الروتينية على الناس في المؤسسات المختلفة ، وتخفيف العبء على كاهل الموظفين ، حيث قامت المؤسسات بتوفير خدمات استخراج شهادات الميلاد والوفاة ، وجوازات السفر من خلال الخدمات الإلكترونية السريعة ، وتطور الأمر أكثر وأكثر لإلحاق الطلبة في المدارس بالركب الثقافي والتكنولوجي المتطور ، فظهرت الكراسات والكتب الإلكترونية من أجل مساعدة الطلاب وإعفائهم مشقة حمل الحقائب الثقيلة على ظهورهم ، مما يساهم في أضرار صحية لا حصر لها ، إذن فقد أسست العولمة التكنولوجية إلى أساليب جديدة للكتابة والقراءة وكذلك تبادل الرسائل .

    لن نقول وداعاً

    في عام 2010 قال الأمريكيون : وداعاً للورق GOOD BYE PAPERS”” ، فكانت تلك هي العولمة الفكرية والعلمية في أقسى أشكالها ، فرغم تسليمنا بعبقرية الإختراعات التكنولوجية الأوربية والأمريكية ، إلا إننا من الصعب أن ننسى الورق ، بل من المستحيل أن نودع التراث والآصالة ، ورغم إننا لا يمكن أن ننكر الرقي والمهارة التكنولوجية للغربيين وما وصلنا إليه من تقدم في وسائل النقل والإتصال في غمضة عين ، إلا أننا لا يمكن أن نستسلم لتلك المادية الجوفاء ونجهل فوائد الورق فمن الصعب أن نتغافل جاذبية الرسالة فيما كانت ترسمه على وجوهنا وقلوبنا من بهجة ، أو ننبذ أجزاء من التاريخ كان الورق فيها شيئاً رئيسياً ، فقد اعتمدت الثورات الوطنية على مدى التاريخ على الورق والمنشورات ، وقد كانت المجلات المدرسية ولاتزال نبعاً للثقافة والإبداع في كتابة القصص ورسم الصور ، ولاتزال تحظى الموسوعات الملونة واللوحات الفنية بشهرة فائقة في كافة بلدان العالم . سيظل الورق هو الإختراع الأكثر تأثيراً والأكثر جمالاً وجاذبية ، ولهذا فإننا لن نقول وداعاً للورق ولتذهب العولمة للجحيم .

    عزة عبد القادر دكتور جامعي