في حب القراءة والكتب

  • 0
  • 272
  • كانت زيارتنا لمعرض الكتاب في مصر احتفالية سنوية، فيها يتعمد أبي أن يصحبنا جميعًا (أنا وأخوتي) ويبتاع لنا كتب الأطفال، والكبار أيضًا، وكان ذلك التجمع السنوي الممتع والمبهر حول الكتاب هو أول علاقة لي بالكتاب في طفولتي، وبمتعة اقتناء الكتب. فأنت تسير بين الأروقة، ترى الكتب الملونة موضوعة على الأرفف، تشتم رائحة الورق والحبر وتجد نفسك وسط مجتمع مختلف، ينظر فيه الجميع إلى الورق والكتب بإعجاب وتقدير. ومن وقتها أيضًا بدأ تعلقي بمعارض الكتب .

    تعرفت من خلال هذا العالم الساحر على أماكن بعيدة وشخصيات خيالية. فأصبح الكتاب المدخل لعوالم مختلفة ومصدر التعلم. ومثل معظم الصغار  في جيلي كانت المجلات المصورة وكتب المغامرات (المغامرون الخمسة) هي أول علاقة بالقراءة خارج الإطار المدرسي، بالإضافة إلى القصص العالمية المترجمة. 

    أثرت الكتب كثيرًا في حياتي فقد غيرت مفاهيمي ومعتقداتي إلى حد كبير. حيث وضعتني أمام تساؤلات عديدة حول كل المُسلمات التي كبرت معها والمفروضة علينا أحيانًا في مجتمعاتنا. اصطحبتني في رحلات استكشافية لعوالم لم أكن أدري عنها الكثير تحدتني وصدمتني أيضًا، فقد تحدت قناعاتي وصدمتني في مُثل اعتنقتها وصدقتها لفترات. أتذكر جيدًا عندما درسنا رواية الأحمر والأسود لستندال في المدرسة ومسرحية أنتيغون، والتساؤلات والمناقشات التي دارت في الفصل الدراسي وقتها. أحببت أيضًا تلك النوعية من الكتب التي تنقل الواقع إلى أبعاد أخرى تخيلية، ربما يشطح فيها الكاتب بعيدًا إلى أماكن غرائبية، ومواقف عجيبة،  أو تلك التي تحاول أن تتنبأ بالسلوك الإنساني في الأزمات. وأذكر من تلك النوعيات ثلاثية أسلافنا لإيتالو كالفينو والعمى لسراماغو ومائة عام من العزلة لماركيز، وما يشبهها. ولكن على صعيد آخر وبعيدًا عن الخيال وشطحاته تعلمت وأتعلم من الكتب التي تتناول التغيرات المجتمعية، والسياسية في حقب زمنية مختلفة، والتي من خلالها، وخاصة إذا كانت مكتوبة بتشويق وفن، نستطيع أن نتعرف على المسار الذي سرنا فيه حتى لحظتنا الحالية. وكتب السير الذاتية، سواء بقلم كاتبها أو بقلم باحث اجتهد في العثور على خفايا الشخصية وتسربت أثناء الحكي أجزاء من حكايته هو أيضًا مثل كتاب إيمان مرسال الأخير “في أثر عنايات الزيات”.

    كاتبي المفضل بصفة عامة هو كل من استطاع أن يمسك بدواخل النفس البشرية وتعامل معها عن قرب، وتعاطف مع ضعفاتها وساعدني على اكتشاف خباياها. أحب الكاتب الذي يحول الشخصيات العادية بالنسبة للكثيرين إلى شخصيات تستحق أن نتوقف أمامها، فنتعلم معه ألا نفترض مسبقًا ردود أفعال الأشخاص أو نتعامل مع مشاعر الآخرين كمُسلمات. أفضل الكاتب الذي يمنحني كتابًا أسهر معه، وأندمج مع شخصياته فلا أترك الكتاب إلا وقد عرفت ما آلت إليه وكيف انتهت حكايتها. والكاتب الحريص بل والمقتر في استخدام كلماته فيكون المكتوب لا غنى عنه، والوصف ضروري، وإذا لم انتبه إليه أفقد جزءا من حبكة الرواية. أحب الكاتب الذي يبدع فيما يكتب فيخلق تلك العوالم والتساؤلات التي لم تخطر على بالي من قبل فيدهشني. فنحن نحتاج الكتب أحيانًا لنهرب من الواقع، ولكن نحتاجها أيضًا لنتعلم كيف نعيشه.

    يسألني الكثيرون من الأصدقاء عن الطريقة التي يمكن أن نساعد بها الأطفال على حب الكتب والقراءة، وأرى أن معارض الكتب من العوامل الأساسية لذلك، ولكن أيضًا أن يرى الأطفال من يقرأ أمامهم، من يفضل أن يجلس في ركن ما من أركان المنزل ممسكًا بكتاب، مستمتعًا به. ربما تغيرت وسائل القراءة حاليًا وظهرت الكتب الإلكترونية، والتي استخدمها سواء لدواعي العمل أو السفر. لكن ستبقى للكتب الورقية ومعارض الكتاب والمكتبات مكانتها المحببة في قلب جيلي وأجيال بعده كثيرة.

    أماني فوزي حبشي مترجمة

    تترجم من الإيطالية إلى العربية وتحب الكتب والحياة والناس