عن عمر الأربعين!

  • 1
  • 3٬024
  • قيل في أحدِ الأمثال: “في عُمر العشرين، يستولي علينا التفكيرُ حول نظرةِ النَّاس إلينا، وفي عُمر الأربعين لايعنينا كثيرًا كيف ينظرونَ إلينا أو بمَ يفكرونَ، وفي السِّتين نكتشفُ أنه لاأحدَ كان ينظرُ أو يفكر بنا من الأساسِ!”.

    عُرِفَت عبارةُ “الحياة تبدأ في الأربعين” بفضل والتر بيتكين، الفيلسوف وعالم النَّفس، عندما جاءت عنوانًا لكتابه الذي صدرَ عام 1932، ولكنه لم يكن مُبتكِر هذه العبارة الشائعة التي يتداولها الناسُ حتى يومنا هذا.

    ويعود سببُ انتشار هذه العبارة إلى توقيتها؛ حيث مثَّلت تلك الفترة في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية مرحلةً جديدةً في متوسط العمر المتوقع، إذْ أصبح عُمر الشخص المتوقع ستين عامًا، بعد أنْ كان أربعينَ في عام 1880، وهي الفترة التي وُسِمتْ أيضًا بفكرة أنَّ “الحياة تنتهي في الأربعين”.

    أما اليومَ، فقد أصبح سنُّ الأربعين، محطةً للمتأملين، وموعدًا يفترق عنده المتشائمون والمتفائلون. وأصبحت عبارة “منتصف العمر” من ضمن أدبياتِ علم النفس والأدب والعلوم. وكما يقول بيتكين: “أثر الحياة يبدأ في الأربعين، هو نتيجة؛ فاليوم نصف الحقيقة، وغدًا سيكون بديهيًّا”.

    إنَّ الأربعين عامٌ ألهَمَ الشعراءَ، وكتَبَ عنه الأدباءُ، بوصفه عامَ المنتصف، ومرحلةً تثيرُ الكثيرَ من الذكرياتِ والشجون والآمال، وكذلك القلق.

    ففي كتاب “أربعون: في معنى أنْ أكبر” وضعَتْ ليلى الجهني، عبارة (إنني أكبر) في بداية كلِّ خاطرة من خواطرها الثمانية والعشرين. ومع أنها صارَت أقلَّ حزنًا وقلقًا وأكثرَ سكينةً، كما تذكر، إلَّا (إنني أكبر) كان معها وهي تميلُ للصَّمت أكثر فأكثر، وكانت معها عندما كبرَتْ صداقاتُها كذلك، التي كبر بعضُها كي يذبل، فيما كبر قليلٌ منها كي يبقى. وكانت معها عندما صارَت أحلامُها ثقيلة وغريبة ومليئة بالتفاصيل والألوان والحرارة والحروب والملامس المتباينة.

    أمَّا فُوز العتيبي، فقد كانت ترى تلك الفرصَ، و”شمس الأحلام السعيدة” التي تنتظر العابرين لعتبة الأربعين في كتابها “بعد الأربعين تبدأ الحياة”، فقد‎ حثَّت كلَّ مَن جاوزَ الأربعين أنْ يتأمل نفسَه؛ لأنه سيجدُها أكثرَ نضجًا وإبداعًا وتميزًا، وأنَّ الأربعين مرحلةً بين مرحلتين، هما مرحلة الطلب ومرحلة العطاء.

    ولم يسمح ستانلي برانديس، أستاذ الأنثروبولوجيا، من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، لعُمر الأربعين أنْ يمرَّ مرور الكرام، بل قدَّم أطروحته الموسعة “الأربعون: العمر والدّلالة”، التي تناول فيها دلالاتِ هذا العمر المميَّز، وخلفيَّته التاريخية، والسياقاتِ المرتبطة به من الناحية الأنثربولوجية، والنفسية، والاجتماعية، والديوغرافية، والاقتصادية. فهو يقول إنَّ لعمر الأربعين دورًا محوريًّا في حياة الإنسان، بل هو أهم ُّمرحلة في مراحل نموِّ الإنسان، ومن الناحية التاريخية كان يُنظر إلى هذا العمر حتى سنواتِ الحرب العالمية الثانية، على أنه الجسرُ الذي يعبُره الناس إلى مرحلة الكِبَر.

    وبعد أن اطّلَعْتُ على عددٍ لابأس به من خواطر وتأمُّلات حول سنِّ الأربعين، بل ودراسةٍ عنها، أميلُ إلى القول إنَّ الحياة لاتبدأ بعد الأربعين، بل إنَّ الحياة تتكئُ على الأربعين؛ تتكئُ على خبراتِ هذه السنِّ وما فيها من وعي وواقعية. والاتكاء هنا بمعنى الاسترخاء والتمكَّن في مجلس الحياة، وليس بمعنى العجز والشيخوخة. فإذا كانت شخصية الإنسان تتكون في السنوات الخمس الأولى،كما يقول التربويون، فإنَّ تجارب الإنسان تُصقَل في السَّنواتِ الأربعين الأولى في حياته.

    • نشرت سابقاً في صحيفة اليوم.
    بندر الحربي كاتب ومترجم