هل تقوم الحضارات بالسيف أم بالتثقيف؟

  • 0
  • 272
  • حينما تسأل اي حضارة قامت: كيف قمتي؟ أجاب المنتمين إليها بإسلوب أفلاطوني رأيته على مواقع التواصل: قمنا بالعلم، وبكل سلام ومحبة، ونوّرنا العالم، ونشرنا الورود، لكنك حينما توجه للإسلام هذا السؤال يجيب بأن أحد العوامل التي قام بها هو السيف، وإن الجهاد ركن من أركانه. يقول مُحمّدﷺ: بُعِثْتُ بالسَّيْف وبين الساعة هاتين (وفرق بين أصبعيه).

    إنك لا تجد دين أو مبدأ واقعي وصريح مثل الإسلام، إذ قام بالسيف والقلم والكتاب معًا، والغريب أنه لا ينكر ذلك. ففتح مكة والمدينة سلمًا، وحينما وجد أن “البدو” ينتشرون في اليمن فتحها حربًا.

    إن الاسلام هو المبدأ الوحيد الذي فهم طبيعة الناس بكل دقة، فهو جعل البدو يقاتلون والحضر يبنون، حيث جعل السيوف بيد البدو للجهاد في سبيل الله، وأعطى الحضر أقلامًا لينوروا العالم بأفكارهم.

    ينقل عن المعدان عندنا، بأعراف العشائر في العراق: إن العشيرة تتطلب وجود نوعين من الناس؛ ناس خيرين، وناس بلهجتنا: “تعارچ وتطج”. وهذا أمر صحيح من بعض الوجوه، فهناك أناس تأثروا بما يحيطهم من قذارات، أو هم طبيعتهم همجية في الأساس وبدائيين كالتتار وأعراب الصحراء، ولا يصلحون، فلابد من استغلال حماس سيوفهم لأجل الخير، وهناك أناس يحبذون القراءة ويهدفون لتنمية العالم بأقلامهم. 

    لكن المفارقة أن الإسلام قسم الناس جميعًا هكذا وتقسيمه كان دقيق إلى حد كبير، بينما المعدان عندنا فرضوا هذا التقسيم على جماعة محددة، وللأسف أن هذه قيمة بدوية تأثروا فيها.

    فالحضارة ربما تنتشر بالتثقيف، لكنها لا تشيد بالتثقيف، بل تشيد بالسيف، ويجب أن نفهم: إنها تشيد ولا تستورد. وفي القانون عندنا مقولة من أمن العقاب أساء الأدب، لأن الإنسان حيوان بطبيعته، ويحب ضبطه وتقنينه، وإلا أغتر بظروفه الحسنة، لهذا فأن المشرعين يكتبون القوانين والإداريين يطبقونها بسيوفهم، وهذا ما يعبر عنه تمثال العدالة.

    وهذا ما يقوله الواقع التأريخي، فأننا ندرك ذلك من خلال النظرة التأريخية على لينين البلشفي ومجازره حينما أقام الشيوعية، وعن مخالفات أتاتورك العلماني ومجازره حينما أقام العلمانية، وغيرهم حتى لا يطول هذا المقال.

    والعجيب أن الإسلام لا يكون واقعيًا أو متحضرًا في ذلك فقط، بل هو واقعي في شؤون الحياة المختلفة.

    حينما نأتي للمثلية مثلًا التي شغلت العالم اليوم، فهناك من يقول إنها فطرية وخلقية وهناك من يقول إنها خُلقية، ونحن مع التيار الأخير لتوفر الأدلة التي أوردها أهل الإختصاص، إذ نقول إن الإنحراف الجنسي ينتشر في منطقتين:  منطقة يشتد فيها الحجاب، ومنطقة يشتد فيها التعري.

    كانت الولايات المتحدة في الخمسينات حسب مقولة طبيب عندها ونقلًا عن بيغوفيتش، لا تسمح بالتعري وتحظره، والسبب في ذلك يعود إلى أن الرجل حينما يرى النساء العاريات في كل مكان يكتفي بالمتعة الجنسية وبالتالي ينحرف جنسيًا. عاودت الإدارة الامريكية إلى رفع الحظر بعد أن أعتبرت التعري “حُرية”. لكن في المناطق التي يشتد فيها منع الإختلاط يظهر الإنحراف أيضًا. 

    برأيي أن تطبيق النظرة النبوية لذلك هو الحل الأقرب. كانت الدولة في عهد النبي تريد الإلتزام بالحجاب على من يريد، ولا تفرضه على من لا يريد، كسفانة الطائي، لكن لا تمنع الإختلاط، إذ تتواجد المرأة بالجهاد، والسوق. إن الإختلاط عند الفقهاء اليوم هو غير محرم لذاته وإنما لما يترتب عليه من مفاسد، فالإختلاط موجود في السوق والبيت، وفرق أهل الفقه الإسلامي بين الإختلاط والخلوة، حيث الخلوة محرمة لذاتها إلا إذا كان المختلين محصنين خلقيًا وموثوقين، وأما الإختلاط فهو حرام لما يترتب عليه.

    لكن الفقهاء على كل حال لم يركزوا على أمر مهم: وهو غض البصر، والأدب، الذي كان يوصي فيهن النبي. فلو كان شباب اليوم غاضين أبصارهم لأصبح الإختلاط في المدارس حتى، وأتحدث عن العراق، لكن التحرش اليوم، ومع الأسف، أمسى إلكترونيًا وبين الأطفال والمراهقين،ويوعز ذلك لتربية العائلة والمحيط الذي نشأ عليه الطفل، وهذا ما يعجز عن حله من قبل الفقهاء إلا بمنع الإختلاط والتضحية بإحتمال إنتشار الإنحراف. وهذا غير صحيح بالدقة. لكنه مع هذه الظروف يكون صحيح بالغالب.

    لنفرق بين الحضارة الإسلامية المدنية، التي ساوت بين الذمي والمسلم من حيث الجزية والزكاة، وبين الشريعة الإسلامية. حينما ننظر إلى الأحداث نجد هناك شريعة وحضارة. أنا شخصيًا لا أؤمن بكل ما في الشريعة والفقه، لأنه خرج من أناس عاديين وليسو أنبياء وقد حرف منه الكثير.

    الإسلام الحضاري هو الذي علم الأوروبيين في الأندلس القراءة والكتابة بعد أن كانت حكرًا على رجال الكنيسة، وأنتج لنا العلماء والعظماء كالرازي وابن سينا، وكان آخرهم هو مكتشف لقاح كورونا، الذي أسمه: واعد حسبما أتذكر، والإسلام هو من قام برعاية الحيوان، وهذا ما لم يقم به أي دين آخر.

    كان المسيحيين يظنون أن القطة السوداء هي شيطان، وكان البابا يصدر الإعدامات بحق القطط السوداء، لذا قل أعدادهن في اوروبا. وفي الإسلام تعتبر الحيوانات ملاذ الأنفس والصدور، فيقول القرآن؛  ولكم فيها (أي الحيوانات) منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم.

    كما أن محمد ﷺ جازى معذب القطة بجهنم، ناهيك عن أنه حرم قتل العصفور. إن بعض المجتهدين يحلون قتل الحيوان حينما يؤذي، وبعضهم قال لا تقتلوا الحيوان، ولا يجوز، لكنهم حرموا الدية على من قتل الحيوان، فاذا قتلت الحيوان لا شيء عليك، وفي الواقع أنهم لا يحرمون دفع الدية لذاته وإنما لعدم توفر النصوص التي تبيح دفع الدية لمن قتل الحيوان، وربما هناك نص ولم يصلنا، الله اعلم. ويعتبر الحيوان الوجه المرئي للملائكة، أي أنهم مسيرين وأعلى من الجن، ويسمعون ما لا يسمع الجن كالميِّت حينما يعذب في قبره، وهكذا فأن الإنسان الوجه المرئي للجن في هذه الدنيا.. والحيوان هو الوجه المرئي للملائكة في هذه الدنيا.

    عبد الله المحنا طالب