هل تكرار التأكيدات الإيجابية يحقق تغيير حقيقي؟

  • 2
  • 1٬608
  • “أثق وأؤمن بنفسي”، “أنا ناجح وقادر على فعل هذا الأمر”، “أنا محب ومحبوب”، “لا يمكن إيقافي”، وغيرها الكثير من التأكيدات الإيجابية – أو جمل التحفيز الإيجابي – التي نراها في أدبيات التنمية الذاتية والتي تعدنا أن تكرار جمل من هذا النوع لأنفسنا بكثرة سيؤدي إلى إعادة برمجة عقلنا الباطني ومساعدتنا على الإنجاز.  

    تكرار هذه التأكيدات الإيجابية (positive affirmations) هو من الممارسات التي تنتشر بسرعة كبيرة اليوم في مجال التنمية الذاتية، ويكاد لا يخلو مقال عن التطوير الذاتي والمهني من ذكر هذه الممارسة كإحدى الأدوات الأساسية للنجاح. لكن هل تنجح فعلاً التأكيدات الإيجابية في تحقيق تغيير حقيقي في شخصيتنا وتفكيرنا وتساعدنا على النجاح؟ أم هي مجرّد خداع للذات؟

    من يتوقّع جواباً قاطعاً بنعم أو لا على الأسئلة السابقة سيخيب أمله من هذا المقال لأن الواقع أكثر تعقيداً من جواب مبسط من هذا النوع. فلنتحدّث عن هذا الموضوع قليلاً.

    كيف يفترض أن تعمل التأكيدات الإيجابية

    علمياً، نحو 95% من نشاط الدماغ يحصل خارج إطار وعينا وانتباهنا والتأكيدات الإيجابية ببساطة هي إحدى الممارسات التي تهدف الوصول إلى الجزء اللاواعي من ذهننا وإعادة برمجته للتفكير بإيجابية عن أنفسنا، وتشجعينا على إنجاز الأمور التي نريدها وخلق الواقع الذي نحلم به.

    من المعلوم أن طريقة تعاطينا مع أنفسنا ومع الواقع من حولنا لها أثر كبير جداً في تحديد مسار حياتنا، والتأكيدات الإيجابية تزعم أن تكرار جمل معيّنة يقنع اللاوعي بحقيقة هذه الجمل وينقل محتوى الكلام من مجرّد كلمات إلى واقع وسلوك.

    إلى ذلك، لعلّ الدافع الأكبر لانتشار التأكيدات الإيجابية هو الاعتقاد بـ”قانون التجاذب”، أي الفكرة القائلة أن نوايانا وأفكارنا تجذب ما يشابهها إلى حياتنا الفعلية. مؤيّدو التأكيدات الإيجابية يعتبرون بالتالي أن ملأ حياتنا بهذه الجمل يعني أننا سنجذب ما يشابهها من أشياء إيجابية إلى حياتنا المهنية والعاطفية والعائلية.

    جذور التأكيدات الإيجابية

    من الفقرة السابقة قد تبدو التأكيدات الإيجابية اختراعاً عصرياً لكنها في الواقع ممارسة ضاربة في القدم تجد جذورها في المعتقدات الروحية السائدة منذ آلاف الأعوام.

    معظم الأديان والمدارس الروحية تمتلك جملاً مقدسة أو صلوات يتم ترديدها باستمرار وتساعد على تحقيق حالة روحية ونفسية معينة، والتأكيدات الإيجابية هي بطريقة أو بأخرى الشكل المدني العصري لهذه الممارسة.

    هنالك فروقات مهمة بين الاثنين (أي بين الممارسة الروحية والتأكيد الإيجابي العادي) سنتحدّث عنها لاحقاً لكن جدير بالذكر أن التأكيدات الإيجابية هي أيضاً تقنية مستخدمة في بعض مدارس علم النفس الحديث. خلال عملية الإرشاد في علم النفس، يقوم المعالج في العديد من الأحيان بمحاولة تشخيص اعتقادات محدّدة يمتلكها الشخص عن نفسه، وهذه المعتقدات قد تكون أحياناً رواية قوية للغاية تحكم حياة الشخص وتؤثر عليه بشكل كبير.

    من هذه الاعتقادات الذاتية المحطّمة مثلاً قد تكون فكرة أننا لا نستحقّ الحب، أو أننا فاشلون بكل ما نفعله، وهذه المعتقدات قد تكون زُرعت فينا وتحجّرت مع الوقت نتيجة الظروف التي ترعرعنا بها والحياة التي خضناها، وجعلتنا نؤمن بها على مستوى عميق جداً – غالباً ما يكون لاواعياً.

    قد يبدأ الأمر بشيء بسيط مثل لوم الأهل لنا عند فشل ما في المدرسة والتعامل معنا على أننا راسبون باستمرار، أو نهرهم لنا بكثرة وتخويفنا من الفشل بكل ما نحاول القيام به. مع الوقت سنكبر وسيصبح الصوت الذي يقول لنا أننا فاشلون جزءاً منّا ومن تفكيرنا الخاص. في مرحلة لاحقة وحتى حين لا يكون أهلنا وأساتذنا حولنا، قد يحضر هذا الصوت من تلقاء نفسه ليخبرنا أننا فاشلون ويشجّعنا على التخلّي عن محاولاتنا للإنجاز ويحوّلنا إلى أكبر عدوّ لأنفسنا.

    في هذه الحالة قد ينصح المرشد النفسي باتباع بعض التأكيدات الإيجابية بهدف وضع حدّ للرواية السلبية التي نملكها عن أنفسنا واستبدالها بأخرى إيجابية.

    هل هذا يعني أن التأكيدات الإيجابية تعمل بالمطلق أو أنها مرتبطة بحالات محددة؟ لكي نقترب من الإجابة أكثر، علينا أن نعود للجذور الروحية لهذه الممارسة.

    معظمنا نسير في الحياة ونحن نحمل اعتقادات داخلية عميقة حول أنفسنا والعالم من حولنا، وهذه الاعتقادات تكون أحياناً رواية قوية للغاية تحكم حياتنا وتؤثر على قراراتنا وتصرفاتنا بشكل كبير.

    الكلام أم الإيمان أولاً؟

    كما ذكرنا سابقاً، هنالك فارق جوهري بين الممارسات الروحية القديمة لتكرار الصلوات والجمل والتأكيدات الإيجابية وهو ببساطة هذا الأمر: الإيمان.

    في الممارسة الروحية، الإيمان سابق على الكلام وهو شرط مسبق لاستخدامها أساساً: حين نتلو صلاة معيّنة قبل الدخول للامتحان مثلاً، فنحن نؤمن مسبقاً بالله والصلاة وما يمثلوه بالنسبة لنا من قدرة كلّية، وحين نقول كلمات الصلاة فنحن نستمدّ القوة من هذا الإيمان وليس من الكلمات نفسها.

    في التأكيدات الإيجابية الممارسة معكوسة: الكلام سابق على الإيمان ويُعتقد أن الكلمات هي التي ستعطي القوّة. لهذا السبب تماماً، تخسر التأكيدات الإيجابية فعاليتها بشكل كبير وخاصة أن عقلنا يدرك بطريقة أو بأخرى أننا نحاول خداعه بالكلمات.

    هل هذا يعني أن التأكيدات الإيجابية لا تجدي أبداً؟ من التسرّع صرف هذه الممارسة بالكامل ومن الأفضل وضعها في إطارها المناسب: علينا معالجة الجذر أولاً قبل استخدام التأكيدات الإيجابية. ما الذي نعنيه بذلك؟

    تعدّد الأصوات داخل رأسنا

    الأنا التي نملكها هي تركيبة معقّدة مؤلفة من عشرات وأحياناً مئات الأصوات الداخلية المختلفة التي تقوى وتخفت بحسب عوامل نشأتنا وظروف حياتنا الحالية.

    في أي لحظة نعيشها، هنالك بالعادة أكثر من صوت داخلنا يقترح علينا سلوكيات مختلفة: حين نريد الذهاب للنادي الرياضي مثلاً، قد نصادف صوتان على الأقل داخل رأسنا يتصارعان على النتيجة: أحدهما يقول لنا أننا يجب أن نتمرّن اليوم وآخر يشجعنا على الاستراحة في المنزل مع وجبة شهية ومسلسل ممتع.

    في المعضلات الحياتية الأكبر، الأصوات التي تعيش داخلنا هي أكثر تعقيداً وقوّة وبعضها يحرّكنا من دون أن ندري. هذه الأصوات هي التي يجب أن نشخّصها ونتعرّف على مصدرها ونفهم روايتها لنا، وحينها فقط يمكننا أن نفهم المؤثرات السلبية والقيود الذاتية التي نحملها داخلنا ويمكننا بالتالي أن نتعامل معها ونتخلص منها بالممارسات المناسبة لكلّ منها.

    الأمر ليس إذا ببساطة اختيار مجموعة من الجمل العشوائية وتكرارها يومياً على أمل تحقيق نتائج. كل شخص مختلف وله حاجات مختلفة ولديه روايات وأصوات داخلية مختلفة، وحين نكرّر التأكيدات الإيجابية من دون القيام بعمل داخلي لسبر أغوارنا، فكل ما يحققه ذلك هو إضافة صوت جديد على الأصوات الأخرى وعادة ما يكون الأضعف من بينها لأن رواياتنا الدفينة تمتلك تاريخها وعوامل قوتها داخلنا ولا تتزحزح بسهولة لأننا كررنا لها بضعة جمل كل يوم.

    النموّ الذاتي الحقيقي يبدأ عند اكتساب معرفة أكبر برواياتنا الداخلية ومعالجة كلّ منها بالطريقة المناسبة لها. قد نتفاجأ في الكثير من الأحيان بالأصوات التي نجدها داخلنا حول مختلف الأمور، وسيكون من بينها أصوات أهلنا وأساتذتنا وأصدقائنا ومجتمعنا من حولنا والمعتقدات الاجتماعية والثقافية المختلفة التي نشأنا عليها. حين نسبر أغوارنا الذاتية، قد تكون التأكيدات الإيجابية هي إحدى التقنيات التي نستخدمها للتعامل مع الأمر، لكن في هذه الحالة سيكون باستطاعتنا اختيار التأكيدات الإيجابية المناسبة لمهمّتنا ما يجعلنا أكثر فعالية من العادة. 

    من دون شكّ، القيام بمهمة كهذه هو أمر أصعب من مجرّد تكرار جمل محدّدة لكنه يحقّق نتائج أكبر وطويلة الأمد داخلنا.

    لا يوجد خدعة للالتفاف حول الإيمان بأنفسنا وما نقوم به في الحياة. هذا الإيمان هو الأساس الذي ننطلق منه إن أردنا تحقيق نتائج حقيقية مهما كان قليلاً في البداية.

    تنمية الذات تبدأ من حقيقتنا الذاتية

    اعتراضي الخاص على شيوع التأكيدات الإيجابية في أدبيات التنمية الذاتية هي أنها تعطي الانطباع أنها خدعة سهلة يمكن استخدامها للاحتيال على الذات وتذليل العقبات وتحقيق ما نريده من أنفسنا من دون بذل جهد كبير. المشكلة هي أننا لا نستطيع عادة أن نخدع أنفسنا.

    في العديد من الأحيان تستخدم التأكيدات الإيجابية جملاً تدل على واقع مرغوب لكنه لم يتحقّق بعد، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون من الصعب خداع ذهننا بهذه الطريقة.

    في الحقيقة، لا يوجد خدعة للالتفاف حول الإيمان بأنفسنا وما نقوم به في الحياة. هذا الإيمان هو الأساس الذي ننطلق منه إن أردنا تحقيق نتائج حقيقية مهما كان قليلاً في البداية، وليس مجرّد شيء يمكننا التقاطه على طريقنا باستخدام حيل ذهنية.

    إن كنا نفتقد لهذا الإيمان بالكامل، قد تكون هنالك طريقة للبحث عنه: كلّ شخص منّا في الحياة عاش لحظة واحدة على الأقل في ازدهاره وتفتّحه الكامل – حيث كان في تلك اللحظة كل ما يريد أن يكونه كإنسان خلال موقف معيّن بالحياة أو خلال فترة أو ظرف مرّ عليه، ولو كان لبضعة ثوانٍ فقط. تلك اللحظة تشعرنا عادة كأننا كتلة من النور والإشراق والتوسّع وهي لمحة تعطينا إياها الحياة لتعرّفنا على امكانياتنا وعمّا يمكن أن نكون عليه.

    ما علينا سوى إيجادها وتذكرها بأكبر قدر ممكن من التفاصيل ولو حصلت منذ سنوات طويلة، واسترجاعها قدر الإمكان مع كافة المشاعر والأحاسيس والأفكار التي شعرنا بها خلالها، ويمكننا عندها ربطها بكلمة مفتاح تختصرها وتختصر جوهر ما نريد أن نكون.

    تلك اللحظة والكلمة المفتاح هي كل ما نحتاجه لاستحضار ذلك الوجه من قوتنا الذاتية وإشعاعنا الداخلي حين نحتاجه وحين نواجه عقبات وصعوبات، وهو ما يمكننا البناء عليه لتنمية أنفسنا وتحقيق ما نريد أن نحققه، كما أنه يعطينا بوصلة يمكن أن تساعدنا كثيراً في مختلف أوجه الحياة.

    الأهم من كل شيء: هذه الممارسة البسيطة، أي استخدام الكلمة المفتاح لاستحضار أفضل نسخة عن أنفسنا، ليست قائمة على جملة متخيّلة أو أمنية بعيدة المنال، بل ترتكز على حقيقة، حقيقة اختبرتها بنفسك، حقيقتك أنت، ومن هنا دائماً البداية…

    طوني صغبيني كاتب

    مجرّد مدوّن أعيش الحياة بكل ما فيها من مغامرات شيّقة، وما اكتبه هو ببساطة الأفكار والأشياء التي اكتشفها على الطريق وأشعر أنها تستحق المشاركة. أركّز على مواضيع التنمية الذاتية، البساطة في الحياة، والتواصل مع البرية لأنها من المجالات الرئيسية لإكمال عملية نموّنا لكامل إمكانياتنا.