هل يمكن أن ننسَ الماضي

  • 0
  • 408
  • إن محاولة فصل الإنسان عن ماضيه هي مهزلة يروج لها الكثير من الناس في محاولة منهم لعيش الحاضر بهدوء والتقدم إلى المستقبل، ودعم ذلك بحجج كثيرة منزوعة المنطق ومستحيلة التطبيق.

     نبوغ الشخصية البشرية هو نتاج عمرها في الحياة، فكل تفاعل لها يسهم في إنشاءها وتطويرها. ربما لا يدرك الإنسان كل تلك التفاصيل أو يتذكرها، بل قد لا يصدق أن يكون أحد تلك الظروف قد ساهم في صنع ما هو عليه اليوم وحتى ما سيكون عليه غدا. حجر الأساس في ذلك هو الطفولة وأحداثها، فأي موقف شديد او متطرف في الطفولة قد ينحرف بشخصية الفرد لتصبح شيئا شديد التعقيد.

    يسهل على من عاش طفولة هادئة أو بسيطة، أن ينتقد غيره ممن يراهم في مثل سنه او مرتبته، وهو لا يتفهم سلوكياتهم، فتنطلق منه الأحكام تباعا،  تتلوها قرارات منفرة تنتهي بدفعهم إلى خانة السيئين، وتلك العشوائية في التعامل تؤدي غالبا الى انحرافات أخرى تعقد الموقف أكثر، ونصبح في حالة تصعيد نفسي بين أطراف لا تتفهم بعضها.

    الحزن، الانطواء، والتوتر الشديد، بل حتى العدوانية هي نتائج أحداث تركت بصمتها في صميم أشخاصها، وما يزيد الأمور صعوبة، هو محاولة هذه الشخصيات التملص من كل ما عايشوه تحت مسمى نسيان الماضي والتركيز على الحاضر. إن العقد المترتبة على احداث قد مضت، لن تسمح للشخص بالتفلت منها دون حلها، ولن تعطي للشخصية رغم مقوماتها سبيلا للإبداع.

    الأمر يتعدى الفرد بل ويصل الى العائلة والقبيلة وحتى المجتمع وربما تصل إلى مستوى الشعوب. ففهم التاريخ له ضرورة قصوى لدراسة شخصية الفرد وتأثير المجتمع عليه وتأثيره على المجتمع، فالعقل الجمعي له شخصيته التي تنعكس على أفراده وتشكل فكرهم وتسهم في تحديد مصائرهم .

    يعتقد بعض الأفراد أن في ادعائهم التخلي عن بعض أدبيات شعوبهم تحررا من ماض عتيق، الا ان ادق تفاصيل حياتهم تشي بوجود تلك الأدبيات وتأثيرها فيهم وفي اتاخذهم للقرارات، فظاهرهم لا يتسق مع دواخلهم.
    والقول بأن نجاح أحدهم قد تحقق في بلاد غير بلاده الاصلية، وأنه لو ولد او تربى في أرضه لما وصل إلى ما وصل، حقيقة يفرضها التاريخ والماضي لهذه الأرض، هذه القاعدة، واستثانائتها هم من تغلب وحل عقد ماضيه وماضي أرضه واستطاع الإفلات، وهؤلاء أكثر من يتم نبذهم لاختلافهم.

    الحل في تحليل الماضي لا في التبرأ منه، والانطلاق يستند على قاعدته لا على فراغ لا اساس له، ومقومات كل ذلك هو التريث والتفكير خارج الصندوق قبل إعطاء الأحكام.

    ضع نفسك مكان من لا تفهمه لتحبه.

    عبدالله اليعقوب طبيب أسنان

    طبيب أسنان بروح الأديب