عَظُمَ؛ فَهَان…

  • 1
  • 3٬296
  • معطيات الحياة لابد وأن تكون معلومة، أما قيمتها فحتى وإن جُهِلَتْ؛ فهي لا تقبل الجهل بها.


    تتحوّلُ الأيّام وتتقلّبُ بين عَظُمَ المرادُ فهانَ الطّريقُ وبين عَظُمَ الطّريقُ فهانَ المرادُ، وكلاهما بالضّرورة صحيح وكلاهما بالضّرورة خطأ.
    فتارةً تجد أنّ الأمنيات مؤمنة أنّها واقعة لا محالة -وإن تعثّرت-، والسّماء تقبل المزيد من سرب الآمال والتّطلّعات؛ لكنّها في كلّ مرةٍ تقذفك بوابلٍ من العقبات، والسّقف رحبه واسعٌ وشاهق العُلُوّ؛ سقط كثيرًا على أضلاع أحلامك، لكنّ الدّرب في عينيك مرسومٌ ويستحقّ العناء، تمضي وتقول: لن أَبْرَحَ حتّى أَبْلُغ.
    وتارةً تجد الأرض توصد أبوابها وتغلق كلّ منفذٍ لليقين يُؤَدِّي، والدّرب ضباب، وحلمك في عينيك بسيط، لكنّك مرّةً تراه حقيقةً ومرّةً سراب، مرّةً تلوذ بحلمك ومرّةً تفرُّ منه، مرّةً تقف على مطلع النّور، ومرّةً تراك لا تعرف النّور -وإن رأيته-؛ ثمّ أمنياتك ولّت بازدياد التّخبّط، تمضي وتقول: الطّريق وَعِثٌ والأمر لا يستحق، سأرتاح.

    فأيهما الأجدر مجملًا بالحياة؟
    ذاك الذي حاول كثيرًا وعانى القارس من الطّريق لكنّه تدثّر بأحلامه؟
    أم ذاك الذي حاول كثيرًا لكنّه ما استطاع نفض تعبه وَوُعَثَاءَ تَرَحُّلِه فاختار العدول عن الأحلام؟.

    عَظُمَ المراد فهان الطريق؟ أم عَظُمَ الطريق فهان المراد؟..


    أظنّ أنّ إيماننا المفرط بأنّ الإنسحاب جريمة في حقّ الفرد وأحلامه، هو إيمانٌ ضائعٌ ويقينٌ جُرّدَ من العقلانية المحضة، والتي تقرّ بحرّية الإختلاف في السّعي وكيفية المسعى.
    فالكلّ حقيقةً ليس كما الآخر.
    وأجدها أيضا آفةً اجتاحت بعض العقول، آفةً افترضت أنّ الحيّ يقدر بإنتاجه. فصرنا ننغمس في مَغَبَّاتِ معاييرٍ ومقاييسٍ لاتمت للواقع بأيّ صلة. فكلّ شيءٍ الآن صار يتّسم بمعاييرٍ واهمة، يصدّقها المجانين ويعمل بها أناسٌ غافلة.
    هي معاييرٌ تغلغلت عميقًا داخل إيماناتنا وحتى ذواتنا؛ ففقدنا بها حياديّتنا، وقيّدنا الحياة التي كانت مُسَيَّرَة بمَسِيرَةِ توافقِ الأضداد. ثمّ قَوْلَبنا الأحلام وكلّ المشاعر وكلّ الجميع؛ لإرضاء غرور معيارٍ ما ثابت. في حين أنّ الكلّ مختلف. في حين أنّ الحياة ما جاءت بدليل استخدامٍ موحّد، وما كُتِبَ لها أصلا.

    حديثي هنا ليس لذكر أمثلةٍ لمعاييرٍ وضعناها بأنفسنا، وفجأةً صرنا لها نحتَكِمُ وصارت هي الفيْصلُ في الكثير من الأشياء، وليس بغرض التّراخي والعدول عن الأحلام أو حتّى لترسيخ فكرةٍ غيرَ راجحةٍ فتسقط منّا كَفّةَ الميزان، إنّما هو دعوة تأمّلٍ وتفكّرٍ في الكثير من الأحكام.


    فمتى ماكان الإنسان هو معيار حياته؛ فَلْيَعْظُم الذي عَظُمَ وليهون الذي هان.