درسٌ مُستفاد: “فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ”

  • 3
  • 504
  • لطالما علمتني الحياةُ أن المرء يجب ألا ينكر ذاته الحقيقية، ولا يتصرف بطريقة تخالف ما هو عليه. ولكن في هذه السنة تحديداً أدركت أهمية ذلك. أدركت أنه ليس هناك ما يضاهي أن يتصرف المرء بعفوية وعلى طبيعته، وإن كانت طبيعته لا تلقى إعجاب الآخرين؛ فقد أيقنت أيضاً أن آراء الآخرين لا تشكل حتماً صورتنا الحقيقية وما نحن عليه. وربما جزء من قراري هذه السنة بالعمل كمُدوِنة  يعزى لهذا الدرس الذي تعلمته…

    ولكن أنا أتعجب حقاً من أولئك الأشخاص الذين لا يتركون فرصة تضيع من بين أيديهم، يحبطون فيها الآخرين، يسخرون من شغفهم، يقللون من قيمة أفكارهم، يصبغون حياتهم بشتى أنواع البؤس، ولا يتعبون أنفسهم بمراقبة كلامهم الجارح وأفعالهم مع الآخرين. فيشعر الفرد إذا ما تحدث معهم وكأنه ثوب بالٍ ملقى على الأرض، ليس له أهمية أو وجود سوى أنه قد يستخدم كقطعة قماش لإزالة الغبار عن الرفوف.  أولئك الأشخاص لا يفرقون بين صديق أو قريب أو حتى شخص جمعه الحظ السيء بهم. وفي نهاية المطاف، إذا ما تمرد شخص على أفعالهم ورفضها أو رفض رفقتهم، يستعجلون بارتداء ثوب البراءة ويلقوا التهم عليه لأنه أنثنى عن مرافقتهم أو لم يعد يشاركهم بأحداث حياته وخططه المستقبلة.

    وأتعجب أكثر من الطرف الآخر الذي يتحمل ألوان العذاب النفسي والسخرية تلك بصمت، ويتصرف وكأن شيئاً لم يكن. بل على العكس تماماً تراه يخلع ذاته الحقيقية ويضع واحدة أخرى مكانها على حسب ذوقهم، يحوّر شخصيته وآراءه للتوافق مع ما يلقى إعجابهم – إن وُجد – يتخلى عن حلم أو مشروع معين فقط لأن أحدهم نعته بالفاشل أو (الذي لا يصلح لشيء)، تتلطخ صورته أمام نفسه بسبب كلمة ألقها أحدهم دون اكتراث. وبعد كل تلك الكوارث تجده يرافق أولئك الأشخاص ويبقي علاقته بهم وطيدة!

    يقولون أن النفس تميل لمن يدللها، ولكن أنا أرى أن النفس تميل لمن يفهمها وينمحها الحرية لتتصرف على طبيعتها دون أن تكون في حالة تأهب لأي هجوم يتعلق بإصدار الأحكام عليها. النفس تميل لمن يمنحها الدعم ويأخذ بيدها لتكمل رحلتها، وتنفر أشد نفور ممن يكبتها أو يحاول قص أجنحتها. من حق النفس أن تبتعد عمن يرفض عفويتها ويمسك قلمه ليرسمها كيف يشاء، ومن حقها أن تهجر من يقلل من احترامها أو يلغي وجودها من الأساس.

    يقول باولو كويلو: ” هناك طرق عديدة للانتحار. فأولئك الذين يحاولون قتل جسدهم، إنما يسيئون إلى سنة الله، وأولئك الذين يحاولون قتل روحهم إنما يسيئون هم أيضاً إلى سنة الله، وإن كانت جريمتهم خافية عن أعين البشر.”  فما بالك لو كان الشخص يقتل روحه وأرواح الآخرين معه؟!

    ومن هنا نأتي لكلمات الإمام الشافعي:  إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا

    تعلّم الهجر، فهو أول مراحل التعافي. لست مضطراً لأن تبقى مع من يجعلك تعتقد أنك لا تساوي شيئأ في حين أنك تساوي العالم بأكمله. فإن كان الله تعالى بعزته وجبروته لا يكلف نفساً إلا وسعها؛ فكيف تبقى مع أشخاص يكلفونك أوسع من وسعك بمراحل؟!

    سلمى عديلي مدونة