درسٌ مُستفاد: تنفّس!

  • 0
  • 1٬488
  • بين فوضى هذا العام الذي انطوى بسرعة و بدون خفة، فكم هي ثقيلة أحداثه وغريبة هي نتائجه، عام حمل من المفاجآت ما جعلنا نبدأ بالخوف من المجهول ونخسر بعضًا من إيماننا وتفاؤلنا بالجديد والجميل، عام أرانا سخرية الأمور في فايروس صغير لا يري بالعين المجردة استطاع أن يهز حكومات و يربك مؤسسات، و يغلق الحركة بكل أشكالها، ويقتل أنفس، ويرهب شعوب لم تعد تريد سوى الطبيعي في حياتها، لم تعد تهتم بالرفاهيات، تريد أن يُسمح لها بالمشي في الشارع، والتسوق في المجمع التجاري، وزيارة الأحباب، هذا وفقط، سقطت كل معاييرها الكبيرة للحياة المثالية إلى رغبة في العيش “كما كنا” وفقط.

    عام كان معظمه في حجرٍ منزلي استمر لأشهر، توقفت فيه أعمالنا و تعلقت اجتماعاتنا ومشاريعنا، ورغم كل ذلك، لم يتوقف العالم عن المضي قدمًا، مضت الأشهر كما تمر دومًا، الخطط البديلة في مزاولة الأعمال كانت كافية، كافية لأن تقوم تلك الشركة، ولا تسقط تلك المشفى، ولا يتوه ذلك الموظف وذلك الطالب، وقد لا تكون هذه نتائج كل البلدان، إلا أن أغلبها هذا ما حدث فيها بالفعل.

    مضت الحياة واستمرت وكأن شيئا لم يكن، قد ننسى أحيانًا أننا كنا بالفعل في مكان مغلق في الشهور الماضية، قد لا يذكر ما حدث سوى من فقد عزيزًا بسبب هذه الفوضى، قد تكون هي الذكرى الأصعب، أما كل شيء آخر بصورة عجيبة بدأ بالتلاشي من عقولنا، فالحياة لم تنتظرنا ولم تنتظر هذا الفايروس اللعين، مضت كأن شيئا لم يكن، وها نحن ذا نستعد خلال أيام معدودة لنستفتح سنة جديدة بينما نودع هذا الفايروس إلى الأبد.

    اعتقدنا أن توقفنا لفترة سيحطمنا، أن توقف أعمالنا سينهيها، فحيث تعلمنا أن الاستمرارية هي كل شيء للوصول والإنجاز والنجاح، لم نكن نؤمن بمحطات الانتظار، لماذا لم نتعلم أن نقف لوهلة؟ لدقيقة، لساعة أو حتى ليوم أو سنة. محطة توقف لاستعادة الروح، نستعيد لها روحها الحقيقية، ونستعيد الطاقة اللازمة للاستمرار، أو حتى للعيش ، لعيش لحظات تشبهنا، بعيدا عن حياة الأعمال الشاقة،

    توقف مدروس وطرق بديلة وذكية تناسب هذا العصر المتحضر، طرق تصنع محطات توقف، تُوقِفنا عن الركض والسعي وراء النجاح بنفس مقطوع وروح تعبة ومرهقة ننسى فيها طعم الحياة الحُلوْ!

    عامنا هذا أخبرنا أن التوقف لا بأس به، وأنه لا يتنافى مع الاستمرارية المطلوبة للنجاح، نحن بحاجة للتوقف المؤقت من أجل استمرارية أطول، نحن بحاجة إلى العيش ، العيش من أجل الحياة التي نحب، حتى نستطيع أن نعمل لأنفسنا ولمن نحب.

    بإمكاننا أن نعمل علي إيجاد طرق تسمح لنا بالتوقُف المؤقت بين فترة وأخرى ،ورمي كل شيء يشعرنا بثقل الحياة، توقُف يجعلنا نرى أنفسنا ومن نحب عبر منظار الحياة الملونة البعيدة كليا عن الالتزامات وما يشابهها من أمور ثقيلة.

    علمنا عامنا هذا أن نتوقف لنتنفس.

    نتوقف لنتنفس وسط الركض والسعي واللهث خلف ما نريد، فالحياة ستمضي، وصلنا أم لم نصل، فلنتروى، ونتنفس.

    أفنان الغامدي طبيبة نفسية

    طبيبة نفسية وكاتبة محتوى، أرى نفسي بين الكتابة و الثرثرة، أهتم جدًا وأستمتع كثيرًا في التوعية بالصحة النفسية بالأخص في مجال علم النفس الإيجابي. أهتم بكل ما يتعلق بالفنون وتأثيرها على الإنسان، وأحب أن أعطي من الكلمة ما يُسعد، فأصعد وأسعد.