درسٌ مُستفاد في ٢٠٢٠: الحال وإن كان سيتغير لا تنتظره

  • 0
  • 496
  • قبل الأزمة، لم نكن نشعر بأننا مملين وملولين، وبعدها أصبحنا نشعر بذلك بوضوح، لأننا جلسنا مع الإنسان الأكثر مللًا في حياتنا. نحن.

    لا نحتاج للمزيد من الدراما لكي نصف ٢٠٢٠م، فكل إنسان كان يملك تحديات قبلها، وسيملك تحدياته المتجددة بعدها.

    إلا أن تحديات ذلك العام أظهرت ما لا نود إن يكون فينا، أو ما كان فينا ولا نود منه أن يظهر.

    عدد الاتصالات على ٩١١ في الولايات المتحدة ازداد بشكلٍ هائل، بسبب حالات العنف الأسري. وغيرها في الكثير من الدول. معظم من حاول الاتصال، كانوا يعلمون يقينًا أن تلك القشة التي ستقصم ظهرهم من المعنِّف كانت ستأتيهم في يوم من الأيام. إلا أنهم فضّلوا الانتظار، والابتعاد عن رؤية المشكلة ومعالجتها، ولا نقول فضّلوا الصبر، لأن الصبر هو قدرة الإنسان على الاستجابة بشكل إيجابي وقت الأزمات.

    القُساة يزدادون قسوة وقت الأزمات. والطيبين تظهر طيبتهم أكثر. عندما نحتاجها.

    المثابرين لا يتوقفون عن البحث عن الحلول وعن التعلم وعن البحث عن الذات في وقت الأزمات، مهما شدّت الأزمات رباطها علينا. أعلم اليوم يقينًا أن شخصية الإنسان وتطوره لا يكونا إلا بالممارسة «فالحلم بالتحلّم.. والعلم بالتعلم» كما ورد عن النبي الكريم ﷺ.

    «الوجه البشري، بعد كل شيء، ليس أكثر ولا أقل من قناع». كما تقول أجاثا كريستي. وفي وقت الأزمات يُنزع ذلك القناع.

    أود أن أتحدث اليوم عن نوع جديد من الأقنعة، قناع الحِلم واستجلاب الصبر.. قناع «وجه الپوكر» تجاه الأذى، والذي نرتديه فوق طبائعنا التي يجب أن تستحضر الطيبة والإنسانية والمثابرة والحرص على النمو في هذه الحياة من الأساس وفي كل وقت. فلولا قدرة الإنسان على التطور والتكيف المستمر، لما عاش وتكاثر حتى اليوم بعد هذا الكم الهائل من الحروب والأوبئة التي صاحبت البشرية من مئات السنين.

    ربما قد تغير معظمنا في ٢٠٢٠ صحيح.. لكن سرعة التغير كانت أكبر في إظهار ما لا نريد في أنفسنا.

    • الملول ممل مع نفسه في الأساس، والممتعض أصبح أكثر امتعاضًا:

    هنا بعض القسوة (والحقيقة ربما) تجاه من يشعر دائمًا بالملل. أعتذر، لكن بالنسبة لي أصبحت حقيقة أكثر من أي وقتٍ مضى. أساس الرتابة والملل في هذه الحياة في نظري يعود لعدم قدرة (ورغبة) الشخص على البحث عن تجارب وهوايات جديدة. طبيعة الإنسان تتصارع بين البحث عن الاستقرار وبين فضول لا ينضب. يختار الإنسان الملول في العادة ميله للاستقرار الزائد عن الحد. الاستقرار الذي يصاب بشرخ، ثم بكسر، ليتحول إلى ألمٍ كبير عند أي أزمة.

    من كان يشتكي «معظم» أوقات ٢٠٢٠ .. كان يشتكي ويهرب من «نصف» أوقات العام الذي سبقه.

    لكي ننمو – حتى في تفاصيل عشرتنا للآخرين – نحن نستحق أن نكون مع من يبحث عن المزيد من التجارب والمزيد من الحياة والتطور والتعلم والتصالح المتجدد، وفي وقت الأزمة، نبحث على من يملك الرغبة في البحث بنصف طاقة على المزيد من الحياة على الأقل.

    قبل الأزمة، لم نكن نشعر بأننا مملين وملولين، وبعدها أصبحنا نشعر بذلك بوضوح، لأننا جلسنا مع الإنسان الأكثر مللًا في حياتنا. نحن.

    وعندما يجد الإنسان ما يتوق له في حياته سوف لن يصبح بعدها باحثًا عمّا يثريها، كما يشير جان جاك روسو. «لكي نكون أثرياء [بأنفسنا] لا يتطلب هذا الأمر امتلاكنا لأشياء كثيرة، وبدلًا من ذلك، فإنه يتطلب امتلاك المرء لما يتوق إليه في حياته».

    يستطيع الإنسان أن يرقى بنفسه – ربما – إن استوعب (دون أن يهز رأسه فقط) بأن دوام الحال من المحال، ولا باقٍ إلا وجهه الكريم. وعندما يستوعب هذا الأمر بصدق، سيصرف كل يوم محاولًا أن يجعل يومه التالي أفضل.

    سيجرب كل شيء يستطيع تجربته، سوف تظهر عدة أمور يتوق لها في حياتها.. وفي خلوته مع نفسه، وبعدها سيقل الامتعاض والملل، وسيعي من حوله أنه بالفعل أصبح إنسانًا خفيف المعشر. وأما بالنسبة للعنيفين في بداية المقالة، فإن ما يتوقون له هو الشعور بالقوة والسيطرة حتى وإن كانت مزيفة، وفي الأزمة.. لا تظهر هذه الأمور إلا مع القريبين.

    • تخيل أن أسوء شيء حصل لك، ماذا بعد؟:

    أو كما يعلق الكاتب الشاب «ريان هوليدي» في وصفه لـ«كاتو» أحد أهم الفلاسفة الرواقيين، «كان يتجول حافي القدمين وبملابس قليلة، في الحرارة والبرد. كان يدرب نفسه على حياة قد يواجه فيها الفقر. كان بالطبع أرستقراطيًا رومانيًا. ربما لن يصبح مفلسًا أبدًا. لكنه لم يكن يريد أن يخشى ذلك على الإطلاق، لذلك عاش، بتعبير سطحي وجيز، حياة مفلسة.

    وقد منحه هذا التمرين البسيط قوة غير مألوفة على التجربة والاستعداد والتفكير في مشكلة سلبت تأثيرها البالغ عليه.» ويعقّب «عندما تتمكن من الدراسة والتعلم مما فشل في الماضي، أو الاستعداد لما قد يفشل في المستقبل، فإنك تقلل من خوفك.»

    بالنسبة لي، حاولت.. حاولت بصدق منذ سنوات، بأن أتخيل أسوء ما قد يحصل لي، تخيلته بوضوح، بتفاصيله الكثيرة. وقد حصل في ٢٠٢٠م، تحديدًا في الخامس والعشرين من أكتوبر، يوم وفاة الإنسان الأعز على قلبي: والدي.

    كان جزء من المخاوف قد تبخر عندما تخيلت في الماضي هذا اليوم، وجزء آخر لا بأس به اختفى عندما عبرت له ولغيره «عن الفقد».

    والجزء الأكبر والباقي يأتي كل يوم ليذكرني بأن الحياة مؤلمة. وكل يوم أذكّر نفسي بأن هذا الألم جزء منها. يأتي الألم على شكل موقف قديم وذكرى جميلة ومقطع فيديو وصور، تذكرني بأن الحياة قبل اليوم الذي حصل «أسوء شيء فيه» كانت بخير، وتردد في أُذني قول الحنّان «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، لأبحث كما ذكرت سابقًا على فتحات الضوء في تلك العتمة. تذكّرت أنني في نفس هذا العام العسير استوعبت أن هناك نِعم حقيقية لا تُعد، أخشى أن أشعر بالخجل من نفسي إن عددتها واحدة واحدة، ومن يعلم إن كان مصاب الفقد كان قد أتى هذا العام ليذكرني بأن الاستقرار حتى وإن كان في الوقت الذي لم يكن فيه أحدٌ مستقر.. فهو غير دائم. أو ربما ليعطينا استراحات لسنوات قادمة نتأمل فيها نِعمنا أكثر.

    ولكن، ماذا بعد؟

    هي لا تريد أن تستقيم. لم تقرر نيابة عن أي أحد بأنها ستسير بخط مستقيم. هكذا هي الحياة.

    نعالجها بما نتوق إليه في حياتنا، ونبحث باستمرار عما نحبه فيها، ومن نريد أن نكون معه في الحب والعسر واليسر.

    إن كنت ستنتظر الحال لكي يتغير، أرجوك لا تفعل.

    تغير أنت لحالٍ أفضل.

    أحمد مشرف كاتب

    مدون وكاتب، مؤلف كتاب ثورة الفن، مدوان، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. شريك في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم بين جدة وميامي.