بشرى المطيري مستشارة ذكاء ثقافي

درسٌ مُستفاد: أفلت يدك!

  • 0
  • 0
  • لما بدأت التدوين في أراجيك كنتُ قد عزمت على تقنين المحتوى الذي أدوّن حوله وهو تخصصي (الذكاء الثقافي) وما يرتبط فيه، لكن لما جاءتني دعوة التدوين ضمن سلسلة استكتاب المدونين في الدروس المستفادة من 2020 م لم أمتلك فيضان قلمي!

    بالطبع كان هذا العام مختلف على الجميع باختلاف درجاته وبأشكال إسقاطاته وبتنوع تأثيره، لكن في النهاية كلنا وجدنا أنفسنا نتعامل مع أيام لم نتعود عليها ولا تشبه غيرها.

    ربما الكثير من التدوينات ستدور حول تثمين الأشياء البسيطة والأيام الهادئة، أو بصيغة أخرى الامتنان للأيام العادية.

    نحن الذين غرقنا في بهرجة الأحداث والرغبات، واللهف المتواصل والركض اللامنتهي حول أشياء أحيانا تشكل معنى لنا، وأحيانا أخرى لا ندري لماذا نسعى خلفها، مثل شخص وجد نفسه في مضمار والكل يركض وبشكل ما انجبر أن يركض معهم ونسي أن يسأل أين الوجهة؟ لماذا نركض؟

    هل الركض هو السبيل الوحيد الذي سيأخذني إلى هذه الوجهة؟

    تستفزني طريقة بعض الكتّاب الذين يكتبون أن هذه الجائحة ليست الأولى في التاريخ! ويقصدون بها التطمين.

    أفهم نيتهم الطيبة في التخفيف أن لا يتوهم أن هذا شيء خارج عن العادة، لكن في الحقيقة هو خارج عن عادتي أنا!

    أنا التي عشت في هذا العام ولم أعش في قبله، سيبدو مخيفا لي أن تتغير شكل الحياة! 

    نعم أعرف ما يقولون كلامًا نظريًا لكن لن أفهم حتمًا الواقع العملي إلا بمعايشته، والذي فعلا كان بجائحة هذا العام.

    هناك فرق كبير بين فهم الكلام النظري وإدراك الواقع العملي.

    ستقرأ مئات الكتابات عن السجون، ولكنك لن تختبر شعور الوحشة لدقيقة واحدة في قلب سجين!

    ستفهم مئات مشاعر القلق والخوف من المجهول في أحاديث اللاجئين، ولكن لن تدرك مافعله ذلك في تشكيل ذواتهم.

    الكلام النظري يجعلنا نفهم، لكنه لا يجعلنا ندرك.

    ومابين الفهم والإدراك أميال كثيرة.

    الإدراك يغيّر شكل ذات الإنسان، والفهم يجعلنا نتعاطف فقط دون الإحساس الحقيقي.

    سيفهم أبنائنا مستقبلا هذه الجائحة وسنرويها لهم، لكن حتما لن يدركوا معنى أننا فقدنا أمان اللمسات من الآخرين.

    أن تصافح فلان فتهرع لغسل يديك، أن تلتقط من آخر كيس فتستنفر به بعيدً عن باقي أغراضك وتتركه في الخارج فترة!

    أن تلتقي مع أصدقائك وبينكم مسافة مترين، وأن تزور أحبابك وتمتنع عن معانقتهم.

    إنها مسافة جبرية.

    هذه التغيرات الدقيقة لا تفهم إلا بمعايشة نوائب الأيام.

    عودة على البدء:

    عنوان هذه التدوينة (أفلت يدك) وربما قرأت سطوري السابقة وأنت تتسائل أين موضعها من الإعراب، لكن لابأس هنا تفصيلها:

    هذه المسافة الجبرية تريد أن تخبرنا شيء!

    تعلّم أن تفلت يدك وتترك مسافة من كل الرغبات والآمال والطموحات وأن تعيش دون عقدة القبض.

    استمرار القبض على كل ما نريد قيد.

    في الحقيقية أنت لا تمتلك إلا يدين، واستمرار إحكام قبضتها على أشياء سيفوّت عليك تجربة أشياء قد قد تبدو أجمل، أخف، أهدأ، أنعم، أدهش!

    لا أريد أن تتجهه هذه النصيحة لحيث ضدها، ويصبح الإفلات مقصود للقبض مرة أخرى، إنني أريد القول:

    لا بأس أن تصبح يديك فارغة.

    في كورونا فلتت أيامنا من أيدينا في غمضة عين! ومابين غمضة عين وانتباهتها يغيّر الله من حال لحال.

    كل مخططاتنا، كل شكل أيامنا التي أحكمنا القبض عليها انفلتت منّا.

    أيامنا ليست هي، وأحلامنا ليست هي، بل حتى مخاوفنا ليست هي!

    القدرة على الإفلات فن، لأنه معه قوة التخلي وتزكية النفس.

    في الآية الكريمة: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” أل عمران (92)

    جاء في لطائف القشيري لهذه الآية: من كان مربوطًا بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربِّه.

    ألم تتساءل لماذا مما نحب تحديدا؟ إنها طريقة تزكية النفس والخروج من قيدها.

    الأمر ينطبق على كل شيء: المال، الطعام، الكلام، الوقت، …الخ

    من كانت يداه مربوطتان بقيود الآمال والرغبات والطموحات بل حتى العلاقات، حُرم من طمأنينة واستقرار الإفلات.

    قوة ذاتك في التخلي عمّا تحب هو بوابتك لشيء أعظم وأدهش.

    إنك تصنع ذاتًا قادرة على التحرر من أسر النفس، وهذه أحد أسرار قوة الشخصية.

    وكما قد قيل: “ميدانكم الأول أنفسكم، فإن قدرتم عليها فأنتم على غيرها أقدر”

    لو كنت ستستمع إليّ وماأريد منك أن تتعلمه لتدخل به عام 2021م الذي أتمنى أن يكون عاما مليئا بالمسرات المعنوية/الملكوتية قبل المادية/الملكية هي:

    أنت لا تملك أيامك، تعلّم كيف تفلت يدك!

    أعوامًا مديدة أتمناها لكم في خير حال وأهنا بال يارفاق.

    ______________

    على الهامش:

    أفلتُ يدي هذا العام من الكثير من الخطط والأماني والرغبات بل حتى العلاقات، وأجد ذلك بابا للسلام النفسي، ماذا عنك؟ مالذي تريد إفلاته؟

    أخبرني على بريدي الإلكتروني الشخصي: b.m.almutairi.sa@gmail.com

    بشرى المطيري مستشارة ذكاء ثقافي