درسٌ مُستفاد: الباقي من عام 2020

  • 0
  • 0
  • تلاشت من ذاكرتي تفاصيل العام الماضي، عندما ذكرني كثرة الحديث عن قرب يوم رأس السنة؛ حيث جعلني أحدث نفسي: لقد فات عام دون أن أشعر، ورغم أن أيام هذا العام كانت مختلفة في قساوتها وآلامها التي قد أصابت شخص ما على سبيل الخصوص، وجماعات كبيرة على الوجه العام، وقبل أن أحيد عن ما يجب أن أتحدث عنه هنا، فأحب أن أشير إلى أنني سوف أستخدم كثيرًا الأفعال التي يتبعها فاعل مستتر (أنا)، ولأنني سوف أعيد بعض ما تعلمته من العام الذي انقضى، ستكون أكثر الأفعال في الماضي وفي هذه الحالة سيكون الفاعل المشير إليّ تاء مفتوحة مضمومة (تُ).

    طبيعة تحملها ذاكرة الإنسان في جوفها، وهي أنها لا تستطيع أن تتذكر تفاصيل أحداث كل أيام العام الماضي، والذي يمكن لها أن تتذكره فقط من أحداث، هي تلك الأحداث التي تركت في نفس صاحبها أثرًا بنوعيه الطيب كان أو السيء، ومن وجهة نظري أن الأحداث التي يتعرض لها الإنسان وتكون سيئةً، تكون هي التي أخذت بيده إلى أن تعلمه شيئاً جديدًا إذا كان إيجابيًا في تعامله معها؛ لأن ذلك الحدث الذي ترك أثراً سلبياً هو المشكلة التي تجعل الإنسان يبحث لها عن حل، فيكون في سبيل حلها قد تعلم أشياء كثيرة، وعند ايجاد الحل تختفي المشكلة، وكأنها كانت الدافع الذي لولاه لما كنت قد تعلمت ما تعلمته في سبيل حلها، وأشبه المشكلة هنا بالمعلم الرقيب الذي يظهر وقت ما أكون متكاسلاً عن حل واجبي، فيظل جالساً أمامي ويرهبني بالوعيد حتى أنتهي من حل واجبي نهائيًا، ثم بعد ذلك ينصرف، وبعد أن أجتاز الامتحان، أرفع سماعة هاتف المنزل وأقول: شكرًا جزيلاً لك معلمي (المشكلة).

    في بداية عام ٢٠٢٠ بدأت أسمع عن كورونا وما حدث في الصين، وفي كل يوم كان الحديث يكثر عنها بشكل كبير في مواقع التواصل، وعلى أرض الواقع وسمعت كثيرًا بعد كل سؤال عن أحوال كورونا ذلك الدعاء “ربنا يستر”، ولما بدأ حظر التجول، وانقطعت الدراسة الجامعية، زاد وقت الفراغ، وهذا الوقت إن لم يكن صاحبه قائدًا حكيماً له سيكون أسوأ وقت قد يمر الإنسان به، ومن تلك الفترة تحديدا كان لي بمثابة المعلم، وكان لي فيها دروس قيمة ونافعة، أولها:

    ١- كل ما يحدث لي خير:

    لا بد من أن أحمد الله عليه؛ حيث إنني أثناء الجلوس في البيت معظم الوقت، رغم أنه كان شيئاً مملاً، إلا أنه جعلني أحدد الطريق الذي أريده، فمثلاً جعلني أصارح نفسي هل أنًا حقاً أحب الكتابة، وإن كنت كذلك، فماذا أحقق أن من خلال الكتابة، هل أنا حقا أحب الأدب؟، وكان الرد أن وفقني الله وتعرفت على موقع أنشر فيه ما أكتب، ولأنني سعيت لذلك، كان ذلك الرد بأنني فعلًا أحب الكتابة، غير أن دراستي الجامعية ليست أدبية، ولكنها طبية.

    ٢- ما يعنيه المثل الذي يقول: “القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود”

    بالنسبة لما تعلمته ليس أن إدخار المال مهم فقط، بل أيضًا قد يشير ذلك المثل على العلم جراء ما حدث (جائحة كورونا)، وزاد ذلك من قيمة العلم في نفسي، وأن من الحماقة الاستهانة بالعلم والتعليم حتى وإن كانت الدولة مهملة في عملية التعليم، لابد أن لا تستسلم لذلك.. وتقاوم.

    ٣- الدرس الثالث يقول: “البعد عن شخص والقرب منه يقيسان المحبة”

    أما عن البعد، فإذا بعد أحدهم عنك فإما أن يعود سائلاً مرة أخرى، وقد كنت أنت الطرف الذي يسأل دائماً، أو لا يعود كما كان في تعامله معك، وتتحول العلاقة من صديق مقرب إلى معرفة سطحية من جديد، أو مجرد زميل. وأما عن القرب، فأحيانًا يكون إظهار أحدهم لك على أنه يعزك ويقدرك وقدرك عالٍ عنده يكون ذائفا بمجرد السلام أو الابتسامة، فإذا اقتربت منه أكثر تجد فيه نفاق شديد، وكان معك منافقاً في ابتسامته، حتى كلامه.

    ٤- في الدرس الرابع تأكيد على ما كنت أعلمه بالفعل وهو أن “قدرك أنت لن يصيب غيرك”

    والقدر – كمان نعرف – خير وشر، ولكن ما أقصده هنا بالتحديد هو الخير من القدر، فلا يكن في صدرك حقد على ما يحصل إليه أحد من نجاح، ولا يكن في عقلك ذرة شك أن نجاح غيرك سوف يقلل من نجاحك أنت، وأن الله يسوق إليك ما يناسبك أنت، وأنه يعلم ما يجول بخاطرك، فليدم فقط سعيك وراء ما تريد.

    ٥- أما عن الدرس الخامس، وهو الأخير بحسب ما أتذكر الآن، فهو ألا تقارن نفسك بأحد قد سبقك في الطريق، لمجرد أن الشيء المشترك في المقارنة، أنكما تسيران على نفس الطريق، فهو حتماً لا بد أن يكون قد حقق ما لم تحققه أنت، وذلك منطقي؛ لأنه قد مر بتحديات كثيرة، وقد تخطاها وجعلت منه شخصاً قويًا، الفرق فقط انه يسبقك في الطريق، وأنت متأخر فقط في توقيت بدء الرحلة في الطريق، وحتما إذا مررت بتحديات في هذا الطريق وتحملتها، ستكون ما تريد.

    وأخيرًا، لابد ألا نحزن من تحدي قد نمر به؛ فإنه ليس إلا تحديًا، لابد من مواجهته، وأن نتحلى بالشجاعة وقت المواجهة، فقد يمر التحدي وتارك وراءه أثر سلبي؛ لأننا أثناء مواجهتنا له قد هُزمنا، والأثر الإيجابي الذي يتركه فينا، هو ذلك الدرس الذي نتعلمه، ويكون لنا بمثابة المصل المضاد.

    أحمد السندري كاتب

    كاتب مقالات أدبية لها علاقة وثيقة بعلم النفس وغيره من العلوم الأخرى... أقدم رؤية خاصة في حل المشاكل الاجتماعية دون الخروج عن العادات والتقاليد الاجتماعية، وما نص به الدين من حكم.