درسٌ مُستفاد: بِضع خطوات للوراء

  • 2
  • 1٬480
  • نهج فكري ينكر الأيام، ينكر الزمان، يرفض التفكير بأرقام التقويم، بحسابات الشهور والسنين، كل العمر في فكري هو جملة واحدة، هو يوم واحد طويل، سيبدو يومًا جدًا قصير.
    العمر هو حالة، هو هدف، هو أُفقٌ واسع غير محدد السنين والملامح، ففي العشرين كنت طفلة كبيرة أتحمس كثيرًا، أحب بجنون، أرى كل ما حولي ببريق وشعور خاص يبحث عن الجمال فى كل شيء، ويغمض عينيه بجهل عن كل ما لايفهمه من أخطاء أو مساوىء أو شرور..

    ظللت لفترة طويلة لا أفهم و لم أُرِد أن أفهم، ثم توالت تلك الأيام التى يطلقون عليها أعوام، عامًا تلو العام، وشعوري يزداد قتامة، ووجهي يزداد شرودًا، كل ما لم أكن أفهمه وكل ما تجنبت رؤيته؛ أصبح أمامي فى مواجهة عنيفة، لم أعلم أهي مواجهة مع العالم، أم مواجهة مع نفسي، رفعت رأسي رويدًا رويدًا خارج الشرنقة، مررت بتلك التجارب التى تصنع شخصية الروح، وصلت للثلاثين وخَطَوت بقدمي خارجًا، صرت أمشي، بل وأركض فى هذا العالم، أعتقدت أني علمت أني فهمت نفسي وتقلباتها، فهمت حياتي ومسارها، رأيت من الآخرين ما يجعلني قادرة على تصنيف التجارب والبشر، علمت عن الكون والخالق ما يجعلني أسير فى خُطًى ثابتة واثقة؛ إلا أني اصطدمت بأني سرت طويلًا، وسرت حثيثًا، ونسيت ضعفي، نسيت أنى منه خُلِقت، استعذبت تلك القوة المُكتَسبة وضغطت على زر الانطلاق للنهاية، حتى اصطدمت بضعفي، فجذبت المكابح بقوة، وتناثرت حمولتي بعيدًا، فوقفت مع نفسي فى عجزٍ و ضعفٍ أتساءل:
    لماذا الآن أتخلى و أتهاوى؟
    لماذا يبدو كل ما هو تحت السيطرة خارج عن أي قوة أو تحكم؟
    لماذا يبدو كل ما كان واضحًا….ضبابيًا؟
    لماذا أنظر حولي للناس أتأملهم لَعَلّي أتذكر كيف كنت أحيا مثلهم؟
    ما الذى حدث، أين فقدتني أم أني اشتقت لشرنقتي، اشتقت لذلك العالم الوردي، اشتقت لبساطة تغمرني، لحماسة تجعل كل أيام العمر رحلة، رحلة أتحرر فيها من وقود الخوف والقلق الذى كان يحركنى أعوامًا دون أن أدري!
    وهنا مع نهاية هذا العام؛ أدركت بأنى أضعف من أضعف مخلوق على الأرض، فيكفي كسرٌ صغير فى ضرسي ليشقى به باقى جسدي، واكتشفت أني لا أحتاج إلى أن أمضي قُدُمًا، ولكنى فى الحقيقة أحتاج وبشدة إلى الرجوع بضع خطوات للوراء لأقف فى المنتصف: بين القوة والضعف، بين القسوة واللين، بين الخوف والإقدام، بين القلق والاطمئنان، بين كل ضدين أهلكتُ نفسي فيهم لسنوات وكل آمالي للعام الجديد ولكل عامٍ قادم هو أن أجدَ التوازن…. التوازن المنشود… ذلك الوادي الواسع بين جبال الحياة!

    ياسمين غُبارة كاتبة

    أحب القراءة والكتابة والسير الذاتية لمن سبقونا وكان لهم جميل الأثر، وأتمنى أن أشارككم أفكاري وكلماتي.