الإسكندرية التي لم تَعُد!

  • 0
  • 360
  • كعادةِ أبناء المُدُن الساحلية، كبرت وأنا أهيمُ حُباً بالإسكندرية. لم أكنْ أعلمُ الأسباب، ولكنني كنتُ أستشعرُ مشاعرَ الآخرين تجاهها. الكُلُ يتغزلُ بها، ويمدحها، ويغني لها، فتبنيتُ، أنا الآخر، وجهة النظر، وظننتُ أنني مستوعبٌ لها، أظنني كُنتُ مُخطئاً!

    ذات سفرٍ، منذ ستة أعوامٍ بالتحديد، أخذتُ حقيبتي، وسلَمتُ على أحبابِ قلبي، وتركتها، طامعاً في أن أجد الحُلم الذي أفتش عنه. تلك الضالة التي كبرت وأنا أتبعها، ولا أعلم ماهيّتها.

    تُرى..

    من أنا؟ وماذا سأكون حينَ أكبر؟ وإلى أيّ مدى سيصل صدى كلماتي؟ ومن هي التي سألقي في جَعبتها ما لن يستطيعُ عقلي استيعابه؟

    أسئلة كثيرة، وورقةٌ كتبتُ بها ما أودُ تحقيقه، وطويتها داخل بنطالي، كي أنظر إليها من حينٍ لآخر. خريطةُ ذهنٍ تعلمت فنّها حينَ كُنتُ طامحاً أجول في التعلّمِ وأولَعُ بالتنمية الذاتية.

    كَبُرتُ وأنا ذو صوتٍ مُرتفعٍ، أكتبُ كل ما يَدور بخَلَدي، أتعلّمُ شيئاً فأُسرِعُ بنشره، ظاناً منّي بأهمية نشر العلم. وفتها كنتُ أظنُ أنني على استيعابٍ كاملٍ لكلِ ما تقع عليه عيني، وكنتُ كذلك مُخطئاً!

    كنتُ أبحثُ عن السفرِ ولادة الثورةِ حتى سلّمت أنفاسها ورقدت. كِدتُ أرقُدُ بجانبِها حين أتاني جواب السفر. فأخذته ولم ألتفت.

    أخذتُ حقيبتي، وسلَمتُ على أحبابِ قلبي، وتركتهم، طامعاً في أن أجد الحُلم الذي أفتش عنه. تلك الضالة التي كبرت وأنا أتبعها، ولا أعلم ماهيّتها، ولكنني فضّلت إيجادها في مكانٍ جديد.

    لم تَعُد الأسكندرية كما عهدتها!

    ذات نشوةٍ، أراحت (ماريا) رأسها على كتفي، ومدت يدها تُمسكُ بكفِ يدي، ونظرَت إلى الأفق الفسيح المُظلم أمامنا وما بعد البحرِ. كُنا كعادة المتحابين في الإسكندرية، يتبادلوا الكلمات، ويُغطى صوتُ الموجِ على كلِماتهم.

    سألتني: “ستبقى هذه المرة؟”

    أجبتُ: “لم يَعُد تُرابك زعفراناً، حبيبتي”

    فامتعض وجهها، وانقضى الوقت. وحين جاءت لتودعني قبيل سفري، لم تَكنْ قُبلَتها بنفسِ الحرارَة، ولكنها تمنتّ ليّ السلامة.

    ظلّت تُرسِلُ لي بالكلمات، وتسألني عنْ حالي مِن وقتٍ لآخرٍ، حتى ملّت. فقد أخذتُ حقيبتي، وسلَمتُ على أحبابِ قلبي، وتركتها، طامعاً في أن أجد الحُلم الذي أفتش عنه وتلك الضالة التي كبرت وأنا أتبعها، ولا أعلم ماهيّتها، ولا أظنني قد وجدتُ معناها بعد.

    محمود سامي رمضان مسوق