إبراهيم محسن أحب الفيزياء والموسيقى والعلوم الاجتماعية

بين “أحبك” المزيفة والحقيقية

  • 0
  • 1٬088
  • في زمنٍ  ارتبطت فيه وسائل التواصل الاجتماعية Social media بألسنتنا وطرق تفكيرنا، أصبح من المتوارد جدًا أن نرى كلماتٍ لم نكن نعتاد أن نسمعها إلا في مواقف جد؛ مواقف خاصة ولها مشاعرها الخاصة؛ فلم نكن نسمع “أحبك” إلا في تلك المناسبات اللي تتزين على بوابتها لافتة مُزينة بداخلها عبارة “بداية سعيدة” وذلك إن حالفك الحظ في وجود الشريك المناسب صاحبًا كان أو محبوبًا، أو لافتة قاتمة تدل على عدم التوافق.

    فكان صاحبها لا يقولها إلا وهو مؤمن بها، ليست مجرد كلمة يتلفظ بها، وإنما تدفق تام من المشاعر تجاه شخصٍ ما، فهو يدرك الآن مسئوليته، ويدرك ما بعد هذه الكلمة من تغير أحوال، واعٍ لِما يقوله.

    أما الآن، أصبحت مجرد أربعة حروف تتخلل كل محادثة chat بين شخصين، ربما فعلًا لها معنى بعد درب طويل، وربما مجرد كلمة لاجتياز بعض ملل المحادثات.

    وهنا يجب أن نقف قليلًا، إن كانت تلك الكلمة مفتقرة لمعناها حاليا، فمتى نُدرك أن من يقولها يدركها؟ متى نتأكد أن هذا الشخص يُحبنا فعلًا؟

    في الحقيقة، الأمر ليس سهلًا؛ نحن لا ندرك ما ينوي المرء الذي أمامنا؛ ولكن قد يُستدل بأفعاله على ما ينويه، فالأفعال هي الأثر الحق الذي نعتمد عليه لنعرف فلانًا وغيره.

    ما هي الأفعال التي يفعلها المرء حتى نعرف أنه يحبنا؟

    في بادئ الأمر، أرى أن هذه الأفعال ليست الوحيدة ولا الكاملة، وإنما هي الحد الأدنى من سلسلة أفعال، فليس كل منا قادرًا على التواجد أسفل شرفة حبيبته يتغنى لها على إيقاع ضربات قلبه، وليس كل منا قادرًا على الإتيان كل يوم بهدية ثمينة مختلفة عن التي قبلها..

    -الذي يحب شخصًا ينهض ويقوم به؛ يكون شريكًا له في ذلك الدرب الشاق الذي يواجهه كل يوم، وقد يختلف هذا الدرب من شخصٍ لآخر، فهذا دربه هو درب الدراسة وعوائقها، فيسانده نفسيًا أولاً وماديًا إن استطاع، يحمسه بين الحين والآخر، يتواجد في الضراء قبل السراء.

    وهذا يرى دربه الشاق في تحدي المعاصي، فيأتي ويقف بجواره معلنًا المشاركة، فلا يخذله وقت النكسة، ولا يتركه يقف في فجوة الأهواء، يكافح معه، ويشاركه العبادات.

    وهذا يرى دربه الشاق في العمل، فيأتي ويخفف عنه بعد انتهاء عمله، يكون ذلك المنصت الذي يحب أن يستمع إليه، لا بل ينصت لما يقول، ويتفاعل معه، وكل هذا وعلى وجهه ابتسامة تجعله قادرًا على بدأ العمل في الغد.

    -الذي يحب شخصًا يشاركه موسيقاه، ليست أي موسيقى، وليست أية كلمات تأتي على الإيقاع، وإنما ألحان تُذكرهم بذكريات خاصة بهما فقط، مهما اشتدت تلك الذكريات ومهما لانت.

    -الذي يحب شخصًا يحب أن يشاركه أفلامه، هواياته، لا يحب أن يفعلها وحده، وإنما بجوار من يحب، من يحب فقط.

    -الذي يحب شخصًا يشاركه كتبه، يشاركه كُتَّابه المفضلين، يحب أن يخبره عن طريقة تفكيره، يجب أن يجد أفكاره متشابهة مع أفكار من يحب، فيجد لذة التشابه حينها. يتفقا على الكتاب حينًا، ويسخران منه حينًا.

    -الذي يحب شخصًا يعترف له، لا يستند إلى ستار الكذب أو التبرير حينما يراه، مجرد ظهوره يجعل فيه ينطق بتلك التلقائية البرئية التي تصاحب الطفل منذ نعومة أظافره، لا يكترث لما يحكيه ولا يهتم لقوة مرادفاته، هو يريد التحدث له فقط.

    -الذي يحب شخصًا يلجأ إليه وقت الشدة دون الحاجة إلى التبرير، فقط كان أول من جاء في ذهنه حينما وقع في الشدة، فطلب منه المساندة.

    وإن كان الطرف الآخر يحبه حقًا يساعده، ليس مضطرًا لأن يخلق عذرًا حتى لا يساعده، بل هو ينتظر أن يأتي دوره ليكون ظهره الذي يحميه، عصاه التي يتكأ عليها، هو يريد ذلك أيضًا.

    -الذي يحب شخصًا لا يكترث لكثرة الصمت بينهما، فهو يعلم أنه مهما أخذتهما الدنيا، فهما على صلة قوية لا يهزمها أية هازم، الصمت ليس عائق بينهما، قد تعتبره صمت مميز إن كان بين اثنين يحبان بعضهما البعض، وليس هدوء ناتج عن فقر الكلام.

    -الذي يحب شخصًا لا يكترث أن يبحث طوال الليل عن كلمات تدل عن الحب، ولا يكترث لأن يبدأ بكلام مبتذل حتى يتكلم مع من يحب، لا يكترث لتلك الرسالة صاحبة آلاف الكلمات حتى يتمنى له عيدًا سعيدًا، هو يعلم أن السطر الواحد كافي، فالكلام لا يعبر عن المضمون دائمًا، خاصة في زمن الإدعاء هذا.

    إبراهيم محسن أحب الفيزياء والموسيقى والعلوم الاجتماعية

    mostly different