عن الحب، السرطان، وأشياء أخرى بالمنتصف

  • 2
  • 1٬064
  • أجل، صورة القمر التي بالأعلى من تصويري، أردت توثيق هذا العام بشكلٍ ما.

    كان 2020 عامًا مختلفًا بعض الشيء. في الماضي لم أقم بالكثير في الواقع، حياة الجامعة تأرجحت فيها بين الملل، النزاع مع والديّ، وكذلك الاهتمام بمحاولة الخروج من قوقعة الحزن والاكتئاب. اكتئاب من ماذا؟ ربما تتسائلون، وهذا منطقي، فالاكتئاب نادرًا ما يأتي للبشر بشكلٍ مطول، في العادة ما يكون موسميًّا، لكن بالنسبة لي كانت الفصول كلها هي الشتاء، تربع فوق صدري وأبى الحراك.

    في 2016 أخذت صدماتي النفسية كلها، من أحببته رحل عن العالم، ومن عوضت غياب الحبيب به لم يستحق اهتمامي، وكانت نهاية تساهلي هي الوقوع في مأزق التشهير. في ذاك العام شرخت جدار شرنقتي قهرًا، فقط لكي أمنع شرخهم إياها لاحقًا. أن أدمر نفسي أمر أشجع من انتظار تدمير الآخرين لي، أو هكذا اعتقدت على الأقل. لم يكن العالم رئيفًا بسذاجتي وقتها، أو طيبة قلبي ربما، وفي النهاية دفعت ثمن خيبات أملي: خيبات أخرى أكثر منها سُميّة؛ سرطان يترعرع في عظامي ليُحيلها أشواكًا تطعن في عضلاتي المسكينة.

    أريد التحدث بعض الشيء عن الذي فقدته، أجل يا أنقى من لمست روحي في هذه الدنيا، إني أحيي ذكراك الآن في نفسي، مَن يقرأ كلماتي لن يعرف مَن أنت، لكن سيقِّبلك كما قَّبلتك عيناي كثيرًا. رحل للأسف قبل أن أحادثه بمكنون نفسي، رحل الحب قبل أن يُزهر في قلبين، أو يُرفض من واحد فيُجبر الآخر على الرضوخ للحزن، لا يهم، لم أكن لأكره ذلك فعلًا، كنت لأسعد.

    لكن في النهاية لم تتسنَ لي الفرصة للبوح بأي شيء، في أحد أيام الثانوية العامة أتى خبر رحيل ذلك الحب عن العالم بعد وعكة صحية شديدة قيل لي قبلها أنها مجرد نزلة برد عادية، ليتضح أنها سرطان رئة.

    آه.. كم أكره الانتخاب الطبيعي، دائمًا ما يسلب كل عزيزٍ عليّ، لكنها سنة الحياة، ولن تنتهي سطوة الطبيعة على البشر إلا بانتهاء البشر أنفسهم، فوقتها تسطو الطبيعة على باقي الأجناس كالعادة.

    لم أكتب بعفوية منذ سنين، دائمًا ما أحاول أن أكون الكاتب الذي يدفع الآخرين للوصول إلى قممهم الخاصة، لتحقيق المستحيل، لكسر الحواجز، ولإخراج الطاقات الكامنة. لكن خلف كل هذا أنا لا شيء، لا أحد، لا فائدة لي، ولن يتذكرني إلا العصفور الصغير الذي أطعمه أرزًا على حافة شرفة منزلي كل صباح. هذا إذا تذكرني حتى، هناك الآلاف غيري يقومون بنفس فعلي، وهذا جعلني أتسائل: هل فعلًا أقوم بمساعدة الآخرين من أجل أن أبقى؟ أي أبقى حيًّا في عقولهم؟

    أحب البورتريه الشخصي جدًا، هذه واحدة من أجمل صوري الشخصية حتى الآن، ومن تصويري أيضًا.

    قيل أن الإنسان يموت مع موت ذكراه، لذلك ربما حقًا أفعل الخير لكي أبقى مذكورًا. وأكبر دليل على ذلك أنني بدأت مجال الكتابة الإلكترونية في نفس العام الذي أخذت فيه صدماتي كلها، عام 2016، ومنذ وقتها وأنا أحاول أن أثبت ذاتي، فقط لكي أشعر أن ما مررت به – وكنت سببًا في جزء منه – يمكن أن يُعوض بكلمة شكر من أحد ساعدته على عمل شيءٍ ما، أو نظرة امتنان من أحد طلابي في المدرسة، الأمر مريح نفسيًّا على الأقل.

    على مدار 4 أعوام في هذا المجال، نثرت أكثر من 800 ألف كلمة في الفضاء الإلكتروني العربي، بعضها مقابل المال، بعضها مقابل كلمة شكر، وبعضها بدون اسمي، فقط على سبيل التنفيس. حتى الآن تركت إرثًا في الإنترنت العربي، لكن هذا ليس كافيًا، لم أشعر أنني حر بعد. حتى هذه التدوينة التي من المفترض أن أبوح فيها بمكنون نفسي، ما زلت بداخلها مغللًا في كلماتي، خشية أن أصرح بما يجيش به صدري وتعتمل بسببه جوارحي، فأجد نفسي مطرودًا من منزلي، محبوسًا في زنزانة، أو مقتولًا في أحد الأزقة.

    العرب مخيفون يا صديقي، حتى إذا تمكنت من الهروب منهم في أرض الواقع وجلست في منزلك على الدوام، ستجدهم بداخل الفقاقيع الإلكترونية، واقفين على نواصيها، وحاملين لوحات المفاتيح لسطر عبارات الكراهية؛ عبارة خلف عبارة دون هوادة. يفعلون ذلك للحصول على جائزة لاهوتية..؟ ليس بعيدًا. يفعلون ذلك من أجل الشعور بالسطوة مثل الكلاب المتناحرة والمحاولة لقضم رقبة بعضهم البعض؟ هذا ليس بعيدًا أيضًا.

    لكن المؤكد أنك لن تعيش هادئًا طالما أنت هنا، ربما لن تعيش هادئًا طالمًا أنت في العالم كله من الأساس، طالما أنت حيّ، أو شبه حيّ بمعنى أصح. مع كل يوم يمر، أتدارك بشكلٍ أكبر حجم المأساة التي أنا فيها من منبت الشعر وحتى أخمص القدم.

    الحب؟ لا أستطيع البوح به، ولن يأتي، ولن أذهب إليه بقدماي.

    المال؟ أنفقه على إلكترونياتٍ تسبب لي السعادة اللحظية، ثم أحزن.

    علاقتي بأهلي؟ مشوشة، مدمرة، وأحاول تحاشيهم في المنزل والهاتف.

    أصدقائي؟ أحبهم، لكن أعلم حتمية فرارهم مني بمجرد معرفة بعض خباياي.

    زملائي؟ أجل، يتقبلون اختلافي، لكن دائمًا حواجز المقامات تمنعني من توطيد العلاقات.

    آه، هذا أنا، أتتذكرون عندما قلت أنني أشتري الإلكترونيات من أجل السعادة اللحظية؟ حسنًا، إليكم الإثبات. ابتسامة بلهاء فعلًا.

    أتذكر الآن عندما حادثت صديقي في مرة، قلت له أن أحزاني سببها عدم أخذي لخطوات مباشرة نحو إزالتها من الجذور، وقتها قال لي أن وجود تلك الجذور يشعرني بالأمان. لم أفهمه وقتها، لكن لاحقًا فهمت فعلًا، وجود تلك الجذور في صورة ذكريات عالقة في ذهني، هي التي تُعيد لي الشخص الذي أريد فعلًا أن أكون عليه، وأن أعود إليه.

    ذلك الشخص كان ساذجًا لدرجة استغلال الناس له، لكنه كان نقيًا، كان يحب الجميع، كان يريد العلاقات الصحية، ولم يكره أحدًا. ذلك الشخص كان فقط يريد أن ينظر للمستقبل بعين التطلع، لا بعين التحسر، ولم ينل في النهاية إلا الغصص، كؤوسًا فوق كؤوس، في طاولة مائدة لا تنتهي، أولها في نقطة انفجار الكون، وآخرها في نهايته الممتدة.

    تخرجت هذا العام، أجل أخيرًا، بعد 4 سنوات من المعاناة، قررت الجامعة أن تعفيني من الخدمة الإجبارية بين أروقتها المملة وقاعاتها الخالية من الألوان. الجامعة في البلدان العربية مثل السجن، لكن على الأقل في السجن أنت تعلم متى ستخرج، لكن هنا أنت رهن إشارة السجّان، آه أقصد الأستاذ الجامعي، فيمكن أن يهبط بإصبعه على ورقة اختبارك يمينًا، فتنجح بالمادة، أو يسارًا فترسب بها. إنها بالضبط مثل الروليت الروسي؛ رصاصة واحدة، لكن الفرق أنك تعلم أنها إذا كانت من نصيبك، فسوف تصيبك مهما حاولت التملص.

    ماذا أريد من حياتي؟ لا أعلم في الواقع، أن أنجو.. ربما؟

    فكرة النجاة في حد ذاتها مبتذلة للغاية، بدائية فعلًا، فأي كائن حيّ يريد النجاة، إنها شيفرة مغروسة في أعماق الأحماض النووية للجميع، حتى وحيد الخلية يريد النجاة، السلك التطوري كله للأجناس الحية يُثبت ذلك. الفكرة أنني لا أريد فقط النجاة، أريد شيئًا أكبر من ذلك.

    أريد الحب.

    أن يحبني الآخر بالرغم من اختلافي، أن أعيش دون خوف، وأن أنفض عن كاهلي أعباء المقالات المستمرة، العمل غير المنقطع، والحلقة المفرغة من الروتينية والمعاناة التي ربما لن تنكسر أبدًا.

    هذه من تصويري أيضًا. جميلة، أليست كذلك؟

    كانت دردشة عفوية، أحب نفسي جدًا، لكن أكرهها في وقت ضعفها. أرجو أن يأتي شخص في يومٍ ما ليقترب مني ويضمني إليه حتى أشعر بعظامي تئن أسفل وطأة عناقه، ليهمس في أذني قائلًا: “لا تقلق، أنا هنا، كل شيء سيكون على ما يرام”.

    عام 2020 تقبلت فيه نفسي أكثر، بدأت بإحاطة روحي الحزينة بأشخاص يتفهمون نوعية الحزن الخاص الذي يغلفني، ومَن يعلم؟ ربما أكون أفضل في العام القادم، أو ربما أُنهي حياتي قبلها، لكن سواء عشت أم لا، فأعتقد أن هذه التدوينة باقية، بصمة إلكترونية لن يمحيها زوال الكيان المادي، وكلمات محفورة في نسيج الإنترنت بأكواد ثنائية صنعت الإنسان الذي أنا عليه اليوم.

    مع السلامة، أراكم قريبًا، كان معكم أحمد سامي، شخص تقبَّل أشواك الأزهار، لكنها غُرست فيه أكثر من اللازم.

    أحمد سامي معلم

    كاتب وبيولوجي سكندري، مُهتم بالعلوم والفنون. مُحب للثقافة اليابانية، خصوصًا فنيّ الأنمي والمانجا.