آلاء عمارة طالبة ماجستير في العلوم البيولوجية

لا بحبك ولا أقدر على بعدك.. تجربتي في كلية العلوم

  • 2
  • 272
  • المجهول، هو أكثر الأمور التي ترهق الإنسان وتقلق منامه ويقظته إذا تمادى في التفكير فيه، خاصةً إذا كان الطريق مفروشًا بالشوك. أجل، الشوك كما يصورونه. يُقال: يُساق المرء نحو قدره، هل لأنه تمناه في يومٍ من الأيام، أم أنها مجرد مصادفة، أم أنّ الأمر كله تدبير إلهي. لا أعلم الحقيقة، لكن هذا ما حدث معي. 

    تنويه 

    هذا المقال ليس لإقناع طلاب الثانوية العامة بدخول كلية العلوم. وإنما هو تجربة حدثت بالفعل، إذا كان غرضك من قراءة المقال هو إيجاد الدافع للدراسة بها، فلا أنصحك بتضييع وقتك في القراءة يا عزيزي.

    لنبدأ المقال 

    حسنًا، ربما يثيرك الفضول لمعرفة المزيد عن تجربتي، هيا بنا نبدأ مقالنا بعدة مشاهد (حدثت بالفعل). 

    مشهد 1: طالبة ومعلمتها

    • الزمان: لا أتذكر، ربما في الصف الأول أو الثاني من المرحلة الإعدادية.
    • المكان: أتوبيس رحلة.
    • الأحداث: كنا عائدين من رحلة في الليل، نام الجميع من فرط الإجهاد، إلا أنا -لا أعلم لماذا لم أنم – وصادفت إحدى مدرساتي وتحدثنا سويًا، وأخبرتها برغبتي في الإلتحاق بكلية العلوم، لا أعلم لماذا أيضًا هذه الكلية خاصةً. وقالت لي أنني سأجد متاعب كثيرة، هل أستجيب لها؟ 

    مشهد 2: نتيجة الثانوية العامة 

    • الزمان: منذ عدة سنوات قبل الإفطار بدقائق في مصر، في شهر رمضان الكريم.
    • المكان: غرفتي.
    • الأحداث: لا أتذكر اليوم تحديدًا، لكن كانت هناك حالة ترقب قوية على مستوى جمهورية مصر العربية، إنه موعد إعلان نتيجة الثانوية العامة، وكالعادة، تظهر قبل الإفطار مباشرة، هناك من يهمون للطعام في هذه اللحظة بشراهة من الفرحة، وهناك من يؤجلون الطعام إعلانًا للحزن، وهناك من يقبلون على طعام الإفطار في أي حالة، فالمعدة بالنسبة إليهم لا ترتبط بالمشاعر. في ذلك اليوم عرفت النتيجة النهائية الخاصة بي، وحمدتُ الله. 

    مشهد 3: إعلان نتيجة التنسيق 

    • الزمان: منذ عدة سنوات.
    • المكان: غرفتي (بردوا)
    • الأحداث: اعترضت أمي على كلية العلوم في بادئ الأمر، ولكني مثلما يقولون (دماغي ناشفة). صممت على خوض التجربة بنفسي، وقد كان، ظهرت نتيجة التنسيق وكانت (كلية العلوم) فرحت كثيرًا، لكن لا أتذكر أنّ أحدًا من أهل بيتي قد فرح مثلي! 

    مشهد 4: تخرجي من كلية العلوم 

    • الزمان: منذ وقتٍ قصير.
    • المكان: كلية العلوم.
    • الأحداث: ذهبت لاستلام شهادة تخرجي، وكانت النتيجة النهائية (امتياز بمرتبة شرف)، أتذكر ذلك اليوم جيدًا، كدت أطير من فرط الفرح، هممت للذهاب إلى بيتنا لأقول لأهل بيتي: “لقد انتصرت، لقد كان اختياري صائبًا، لقد فعلتها!” كنت أنظر إلى الشهادة كثيرة، إنه انتصار صغير في هذه الحياة، لكنه انتصار عظيم بالنسبة لعمري الصغير. أتذكر نظرة أبي لشهادتي وفي عينيه فرحة لم أرها من قبل، حتى أنني نسيت أمر الشهادة، وركزت في فرحة عينيه، وكأن عيني آلة تصوير تريد حفظ هذه اللقطة في الذاكرة للأبد. 

    مميزات كلية العلوم 

    لن أتحدث عنها من منظوري الشخصي في البداية، لكني سأتطرق إلى أهميتها العلمية أولًا. تتميز كلية العلوم بدراسة المادة العلمية البحتة، أي أنّ علومها متخصصة للغاية، مجرد أن يختار الطالب تخصصًا ما لدراسته، يتعمق فيه جيدًا بشكلٍ عملي ونظري. 

    بمرور الوقت، يكتسب طالب كلية العلوم العديد من المهارات وإن لم يشعر بذلك، فطبيعة الدراسة البحتة القائمة على التجربة والفهم النظري الجيدين، تنظم تفكير الطالب دون أن يدري وتجعله مُرتبًا حتى في أفكاره، وهذا ينعكس على الحياة الشخصية. 

    أستطيع القول أنّ كلية العلوم هي أساس العلوم وهذه حقيقة. كلية العلوم تدرس العلوم الأساسية مثل: البيولوجيا والفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم الأرض، وتختص هذه العلوم بإجراء التجارب في المختبرات، والحصول على النتائج التي يستخدمها فيما بعد التخصصات التطبيقية الأخرى. إذًا دعونا نتفق أنّ كلية العلوم عملية وعلمية بحتة. 

    ماذا تعلمت في كلية العلوم 

    • ترتيب الأفكار وتنظيمها – كما ذكرت –
    • تتميز كلية العلوم بأنها سهلة الوصول، لا أقصد من حيث المجموع أو الطريق، لكن ستساعدك رائحة الأمونيا المميزة لمعامل الكيمياء في الوصول إليها بسرعة. 
    • الصبر، فمن يصبر على المكوث في معمل الكيمياء خمسة ساعات للحصول على نتائج التجربة، سيتعلم الصبر في حياته الشخصية. 
    • أخبرني أحدهم أنني أصبحت هادئة الأعصاب، وهذا من مميزات كلية العلوم، فهي تحتاج إلى أعصاب هادئة، فما يحدث للطلاب من ضغط خاصةً أثناء فترة الامتحانات يساعدهم في التعود على هدوء الأعصاب. 
    • الالتزام، منذ أول يوم في الكلية، أخبرونا أنّ الحضور بمعطف المختبر (البالطو) مهم جدًّا – قد يكون أهم من حضور الطالب نفسه -. 
    • استقبال المفاجئات بسعة صدر – مثل أسئلة الامتحانات المفاجئة بالضبط -.

    مفاهيم خاطئة 

    دعك يا صديقي من مزاحي بشأن ما تعلمته في الكلية – وإن كان حقيقيًا لكن من منظور إيجابي – لكن أود أن أخبرك ببعض المفاهيم الخاطئة حولها.  

    • كلية العلوم ليس لها قيمة: يواجه طلبة كلية العلوم خاصةً الجدد بعض المشاكل المتعلقة بتحديد مجال العمل، وهناك من يدعي أنها عديمة القيمة، هذا ليس صحيحًا على الإطلاق. لو كان الأمر كذلك، ماذا عن الاختراعات الكثيرة التي ابتكرها العلماء المتخصصون في العلوم؟ 
    • كلية العلوم صعبة: تتميز الدراسة في كلية العلوم بأن دراستها بحتة والمادة العلمية تحتاج إلى فهم وتركيز حتى يستطيع الطالب استيعابها، والأمر ليس صعبًا، فقط بعض التركيز والإلتزام. 
    • كلية العلوم ليس لها مستقبل: من أخبرك بهذا واحد من الاثنين: شخص كسول في الكلية، أو شخص لا يعرف شيئًا عن الكلية. وكلاهما خاطئ، فقط ابحث في محرك البحث عن وظائف خريجي كلية العلوم، واستمع لتجارب الخريجين الذين عملوا وخاضوا التجربة بحكمة وتفاؤل وسعي وستُدهش.  

    إذا عاد الزمن بي، ماذا سافعل؟ 

    سأعود إلى كلية العلوم، فما تعلمته وما أصقلته من مهاراتٍ فيها قد غيّرَّ منظوري للحياة بشكلٍ كبيرٍ، إضافة إلى المادة العلمية، والاعتياد على التفكير المنظم المنطقي الذي اكتسبته من خلال دراستي فيها. أساتذة كلية العلوم، أتذكر أنّ أغلبهم كانوا شخصيات ملهمة بالنسبة لي. 

    اكتشفت فيها شغفي بالعلوم، أتذكر في سنٍ صغير أنني لم أكن أعلم شغفي الحقيقي، فقد كنت متعدد المهارات، أهتم بالرسم والموسيقى والقراءة، لكن لم أدرك شغفي بالعلم قط قبل الخوض في هذه الكلية. 

    لا يدرك الطفل قيمة الدواء المُر إلا بعد الشفاء

    أعلم أنّ دراسة العلوم تحديدًا لم ترق للكثيرين من قبل، ليس لعدم حبهم للعلم والمعرفة وإنما لمفاهيم المجتمع الخاطئة حول ما يسمونه بكليات القمة والقاع – في الحقيقة، كلما يذكر أحدهم أمامي مصطلح قمة أو قاع لا أجد تصنيفًا لكلية العلوم – 🙃

    من وجهة نظري المتواضعة، انظر إلى نصف الكوب المملوء، ستجد العلم في أي مجال في الحياة يا عزيزي، لمَ لا تركز جهودك في تحصيل هذا العلم المتاح مجانًا في كلية العلوم؟ 

    بالرغم من الأقاويل الكثيرة حول صعوبة دراسة العلوم، إلا أنّ فائدتها ستظهر في حالة واحدة فقط، وهي النظرة الإيجابية. أجل، كن ممتنًا، لكل معلومة جديدة تتلقاها وأنت جالس في المدرج (أو واقف في سكاشن الكيمياء 😂). إذا اتبعت الإيجابية، صدقني سيتغير الأمر تمامًا. 

    أن تتفوق في دراستك أفضل من أن تصبح طبيبًا فاشلًا 

    قِيلت هذه العبارة أمامي من قبل، وكأنها نوع من المواسة، وفي الحقيقة أنني لم احتج لهذه المواسة. لكن أعتقد أنّ فيها شيئًا من الحقيقة، للتفوق الدراسي مردود طيب، إن لم يظهر اليوم فغدًا. الصبر يا صديقي الصبر. 

    وأخيرًا..كلما تذكرت هذه دراستي للعلوم زاد حنيني لها، بالرغم من الأيام الصعبة التي عانيتها، إلا أنني أستطيع وصفها بمثل (لا بحبك ولا أقدر على بعدك) وهذا ما دفعني للانطلاق في دراسة الماجستير بمجرد تخرجي من الجامعة، هل هذا بسبب تأثير كلية العلوم التي جعلتنا نعتاد الدراسة أم أنّ هذا قدري؟ صدقًا لا أعلم بالضبط، لكن هناك شيئًا ما بداخلي يدفعني لتحصيل العلم، ربما شغف أو تأثير شيء قوي، لا أعلم الآن، ربما في مقال لاحق. 

    آلاء عمارة طالبة ماجستير في العلوم البيولوجية

    طالبة علم، شغوفة بالعلوم والأدب والتاريخ، أحب القراءة والكتابة..أجد في العلوم ما يغذي عقلي..وفي الأدب الذوق الرفيع، والكلمات الفصيحة..وعن التاريخ، فعشت معه أجمل القصص، وأبحر بي متخطيًا حاجز الزمان وجعلني أشهد على أزمنة لم تشهد ميلادي، ولا حتى ميلاد أجدادي..💓