عن صديقي الذي لا أعرف اسمه

  • 2
  • 1٬056
  • لا أذكر كيف وجدت نفسي أشاركه ذات الطاولة في مقهى أفندينا، ولا أعرف كيف اتفقنا على بنود صداقتنا مكتفين بالنظر.

    أن يحكي وأنصت، لا أسئلة لا حوار ولا أسماء.

     وإن رغبنا باستدامة هذه العلاقة فمن المستحسن كف السؤال عن الأحوال عند كل لقاء. وأنا كنت موافقًا على كل هذا بالطبع.

    السادسة مساء كل يومٍ هو الموعد الذي وقعنا على التزامنا به دون حاجة للنطق بتأكيد الوعد.

    أصل إلى المقهى فأجده جالسًا على الطاولة الثالثة على اليسار بعد انتهاء وردية الورشة ينفث دخان نارجيلته ليختلط بالغيمة المظللة لسقف أفندينا طوال الوقت.

    يطالعني باسمًا فأجلس إلى جواره دون مقاومة وأنا أراقب لمعة عينيه الفاضحة لرغبته بالحديث بقدر رغبتي على ممارسة الصمت.

    وكأي رجل يعرف الأصول، يترك لي قليل فسحة من الوقت لجرّ النفس وارتشاف السائل الأسود المستعير لاسم القهوة دون باقي صفاتها ويشرع بعدها بالحديث

    لن تصدق ما حصل اليوم” كانت افتتاحية حكيه الدائمة، يتبعها بأحداث يومه.

    زبون غاضبٌ من تدني جودة اصلاح الأعطال، أكثر طرفة بقرت بطون عصبة الميكانيكيين من الضحك متبوعةً بأقذع الشتائم الموجهة لكبير معلمي الورشة الذي لا يطيب له يومه دون ينغّص على صديقي الذي لا أعرف اسمه.

    يقرء بعدها ملامحي فيرثي حال الشباب معدوم الفرص وهو يربت على كتفي مواسيًا.

    وكم كنت مرتاحًا للصداقة التي تنتهي حدودها بتجاوز بوابة أفندينا. صداقة لا عتاب فيها أو عشم، موضوعة على الرف تحت يافطة كتب عليها “صداقة منزوعة خيبة الأمل”.

     مغتبطٌ أنا بفسحة الصمت السرمدية أتلو المعوذاتِ درءًا للحسد.

    لكن المحظور وقع.

    تخلف صديقي الذي لا أعرف اسمه عن لقاء السادسة مساءًا لثلاثة أيام متواصلة فقلت ربما أصابه المرض. استحالت الأيام الثلاثة أسبوعًا فعللت غيابه المفاجئ بالسفر.

    مر أسبوعانِ كرهت فيهما فضيلة الصمت بعد أن شاركتني أفندينا في ممارسته، صار كل شيءٍ صامتًا يدفعني دفعًا نحو السؤال عن رجلٍ لا أعرف اسمه.

    غيّر الباشا موعد مزاجه للثانية ظهرًا” قال لي أبو رامي كبير معلمي أفندينا وهو يجمع كؤوس الشاي الفارغة من على الطاولة مراقبًا صدمتي بابتسامته المريعة.

    مالذي حصل؟ هل خنت البنود؟ كنت صامتًا كما جرى الاتفاق ولم أفكر يومًا في سؤاله عن حاله . حتى أني لم أحاوره يومًا طلبًا لتوضيح مغامراته الغرائبية التي تعلو على الواقع.

    من أعطاه حق الرحيل!

     هكذا دون تبرير!

    قررت مباغتته في موعد مزاجه الجديد، فصديقي الذي لا أعرف اسمه مدين لي ببعض التفسيرات.

    وفي الثانية ظهرًا من اليوم الموالي دخلت أفندينا. لم يكن صديقي الذي لا أعرف اسمه جالسًا على ذات الطاولة، الثالثة على اليسار.

    فمسحت المقهى بعيني حتى حددت مكانه.

    كان منزويًا في الركن القصي من المقهى تحت التلفاز القديم المعلق مبتعدًا عن الجميع. ودون أن ينتبه لحضوري، وجدني جالسًا إلى جواره أطالعه بصمت.  ولأكون صادقًا فأنا لا أجيد سوى ممارسة الصمت في حضوره.

    لكن حضوره كان مختلفًا.

     انطفأ بريق عينيه وبدا هزيلًا تحت ردائه الأزرق الفضفاض، ولم يكن مبتهجًا بحضوري أبدًا كما جرت العادة.

    مارست أفندينا صمتها معي انتظارًا لتبريره. وكان هو بدوره يطالع الأرض المكسوة بالرمادِ دون أن يرفع رأسه.

    ثم خرج صوته باندفاعٍ ضعيف. بدا وأنه لم يستخدم صوته منذ آخر لقاء بيننا.

    اسمع! أنا لا أريد خذلانك فأنا صديقٌ سيء. أنا سيءٌ جدًا ولا تستطيع الاعتماد علي في أي شيء. أقولها لك من الآن وأرجوك، أرجوك باسم الله الكريم أن تتركني

    لكني لم أغادر.

    نظر إلي بعينين متوسلتين فشعرت برغبة في تنفيذ طلبه إلا أنني لم أتزحزح.

    اسمع! لا فائدة من صداقتي. لا أنكر سعادتي بمعرفتك وبنوع الصداقةِ التي اخترناها سويًا متحررين من كل القيود، لكني لا أستطيع.

    لا ترغب روحي إلا في عقدِ صداقة حقيقيةٍ بكل أبعادها وتبعاتها، لكنني سيءٌ في هذا النوع، سيءٌ حتى الموت. صدقني أنا سام

    جرّ نفسًا عميقًا من نارجيلته، نفث الدخان نحو الغيمة المظللة للسقف ثم واصل.

    كان لي صديق، لا! لم يكن صديقًا، كان أخي. حتى أن أمي كانت تسألني عنه ان غاب عني ليومين.

    ومن متانة صداقتنا فقد كان يحمل صديقي هذا مفتاح منزلي في جيبه. أقول لك كان يعني لي الكثير، إلى هذه الدرجة من المحبة وأكثر.

     ودون أن أطيل، ضاقت به الحال إلى حد رغبته بالانتحار نزقًا مما هو فيه حتى عزم على الهجرة وهكذا فعل.

     انتزع مني روحي وشعرت بالفقد. شعورٌ شديد المرارةِ لو حاولت وصفه لك لسنة من اليوم فلن تحس بجزءٍ يسير منه.

    المهم أن حاله في المهجر لم يكن أفضل من حاله هنا. طرق على آلاف أبواب الحلال ولم تُفتح له، لعن الحياة التي لوحت له بورقة التهميش وكأنه كائن زائد عن الحاجة، كيس البطاطا أكثر أهمية منه. هكذا كان يشعر صدقني فقد قالها لي في العديد من المرات.

    صرت أرسل له ما تيسر من إعانة، فمالنا واحد، نحن واحدٌ في الأصل، هكذا اتفقت أرواحنا منذ الولادة، ربما من قبلها أيضًا.

    ضاقت بي حالي أنا أيضًا فلم أعد قادرًا على مد يد العون.

    وهو بدوره فهم كل شيءٍ ولم يبادر بالطلب. قل لي بربك أليست هذه هي الصداقة الحقيقية؟

    انقطعت اخباره لفترة من الوقت ثم عاد يتصل بي، أخبرني بأن أحواله في تحسن مستمر، وأني لم أعد بحاجةٍ لإعانتي لكنه لم يخبرني بطبيعة عمله. كان يتهرب من السؤال في كل مرةٍ بإجابةٍ مختلفة. حتى قال لي يومًا بأنه صار يعمل وسيطًا. ولكن أي نوع وساطة؟ الله وحده يعلم”

    ارتشف شايه البارد بيدٍ مرتعشةٍ وعيناه الضيقتان تفضحان حزنه.

    ” غابت أخباره لفترة أطول من سابقتها، فقلت ربما طبيعة عمله الجديد، طال الغياب فقلت انه النسيان، والبعيد عن العين يخرج من دائرة الاهتمام احيانًا دون أن تدري.

     لكني لم أعد أحتمل الغياب، أكلني القلق بنهم ورب الكعبة.

    ورحت اسأل كل من أعرفه عن أي شخصٍ يعرفه يعيش في ذات المهجر حتى وجدت. أخبرني صديق صديقٍ أعرفه بما غير من حياتي إلى الأبد.

    قُتل خليلي في مداهمةٍ مباغتةٍ لمهربي الممنوعاتِ على حدود بلاد المهجر.

    ثلاث طلقات اخترقت ظهره وأرقدته على الأرض، كان المسكين يحاول الهروب من مصيره ولم يقوى على المواجهة”

    شاركني صديقي الذي لا أعرف اسمه الصمت. عاود النظر إلى عيني المتسعتين دهشةً ثم أردف.

    “لو أنني تحاملت على نفسي يومًا واتخذت خطوة إضافية. خطوة واحدة فقط في أي لحظةٍ سابقة لما حدث ما حدث. ولا تكن أحمقًا وتفكر بأنه اختار مصيره بنفسه، أقول لك كنا واحدًا اتفقت أرواحنا على ذلك منذ البداية.

    قلت لك أرجوك دعني ناشدتك بالله فأنا لا أريد خذلانك”

    انتفض بعدها من مكانه وسار مبتعدًا يجر حزنه وهو يرتطم بالطاولات ويعتذر للجالسين حتى غاب.

    غاب إلى الأبد.

    عبدالرحمن ربيحان كاتب