عن الخطابات القديمة والصداقة وأشياء من هذا القبيل

  • 4
  • 2٬192
  • في زيارتي الأخيرة، القصيرة، لمصر، وفي ظل جائحة الكورونا ومحاولة الالتزام بالتباعد الاجتماعي، كان لدي الوقت للتخلص من بعض الأشياء القديمة. خلال عملية التنظيف تلك، وقعت تحت يدي مجموعة من الخطابات القديمة، يعود تاريخ البعض منها لأكثر من ثلاثين سنة، اكتشفت خلالها أنني كنت أحب الكتابة جدًا، وكنت أرسل الكثير من الخطابات، والدليل في الردود المتنوعة التي عثرت عليها.

    تخلصت من بعضها بالفعل، ولكنني قررت الاحتفاظ بجزء منها، فتلك الخطابات تمثل فترة من تاريخي الشخصي، وهي وثائق تعيد إلي ذاكرتي أحداثًا كنت قد نسيتها بالفعل بمرور الزمن وتغير الأماكن والعلاقات.

    وفي أحد تلك الخطابات كتبت لي صديقة عزيزة، تعليقًا على شكوى مني عن صداقة حاولت الحفاظ عليها، ولكنها كانت محاولات من طرف واحد، تنصحني بالاحتفاظ بذكرياتي الطيبة عن تلك الصداقة وتقول لي: بعض الصداقات لها مدة محددة تنتهي بعدها، بكل بساطة. وكانت هذه الفكرة وقتها، في أيام المراهقة والشباب، بعيدة تمامًا عن ذهني، وعن معتقداتي، فكل الصداقات بالنسبة لي كانت “أبدية”. ولكن مع الزمن والوقت نتعلم أن الحقيقة هي ما قالته صديقتي، فهناك بالفعل صداقات، بل وعلاقات كثيرة، تتوقف مدة صلاحيتها على المكان والزمان والظروف المحيطة بها. ولكن تبقى حقيقة أن هناك صداقات “عابرة ومقاومة للظروف” فعلًا، ولكن في أغلب الأحوال، وهي سنة الحياة، توجد علاقات يحكمها المكان والزمان، القرب والبعد، المصلحة والاهتمامات المشتركة .

    ربما تسبب فقدان هذا النوع من الصداقة أو فتورها، ألمًا لطرف من الأطراف، ولكن في نهاية الأمر، كما حاولت صديقتي الحكيمة إخباري وقتها: تبقى تلك اللحظات اللطيفة والذكريات التي عشناها خلال تلك الصداقة، تظل معنا وتذكرنا أنه في يوم ما مر هذا الشخص من هنا. أو كما يكتبون على لافتات المنازل التي سكنها المشاهير: هنا عاش فلان.

    ولكن فتحت تلك الخطابات أمامي الكثير من التساؤلات، فهناك صداقات شاركت أنا أيضًا في نهايتها بانشغالي وإهمالي بمتابعة أخبار أصدقائي وقتها. ربما قابلت البعض منهم بعد أعوام على صفحات الوجوه الزرقاء ولكن خلقت تلك الفترة مسافة لم نستطع أن نجتازها، ونتجاوزها لتعود المياه إلى مجاريها، وصداقات أخرى فوجئت بأنها رغم البعد والمسافة (سواء الزمنية سواء المكانية) ظلت على عمقها، وكنت نتحدث وكأننا نستكمل معًا قصصًا بدأناها بالأمس.

    بالتأكيد نتغير مع مرور الزمن والتقدم في العمر، وتتغير أولوياتنا في الحياة، ولكن العثور على صديق حقيقي يظل أمرًا شديد الأهمية وشديد الصعوبة.

    تُرى ما هي نوعية الصداقات التي تستمر؟ وهل هناك بالفعل صداقات يمكنها أن تكون عابرة للزمن والمكان والظروف؟

    هل غيرت وسائل التواصل الاجتماعي وامكانية تكوين الصداقات الافتراضية من احتياجنا الفعلي للصداقة الحقيقية؟

    هل يمكن أن نحتفظ بعلاقاتنا الاجتماعية وصداقتنا في ظل جائحة الكورونا؟ والتباعد الاجتماعي المفروض علينا؟

    هل توافق الظروف وتشابهها، مثل نوعية العمل، سن الأولاد، الاهتمامات المشتركة، من العوامل التي تقوي صداقات وتضعف أخرى؟

    وهل الصداقة شيء عفى عليه الزمن، كما يقول البعض، ويمكن استبداله بكتاب أو بهواية جيدة، ومجموعة من العلاقات العابرة؟

    أماني فوزي حبشي مترجمة

    تترجم من الإيطالية إلى العربية وتحب الكتب والحياة والناس