حقيقة الإيجابية

  • 3
  • 3٬696
  • عقل و ربيع، هذه حقيقة الإيجابية.

    أتيت اليوم أكتب كمحامي دفاع عن مفهوم لطالما آمنت به و وصيت عليه وعملت به وله، مفهوم قد ينتشلك من وسط فوضى العالم اللامتناهية ليصل بك إلى بر الأمان وأنت بأفضل حال.

    الإيجابية مفهوم كبير و واسع وقد يكون هذا المقال قصير ولا يكفي ليوفي بحقه، إلّآ أني أنوي وبكل حب أن أقدم فكرته وحقيقته، ردًا لكل تلك المفاهيم المغلوطة والتي لوثت صورة الإيجابية في حياتنا ونفّرت الكثير منها رغم أهميتها.

    مفاهيم مغلوطة:

    لطالما عُرفت الإيجابية أو الأشخاص الإيجابيين بالحالمين، البعيدين عن الواقعية، كثيري الحديث بلا عمل يُذكر.

    “كن إيجابي ولا تحزن ” أو “ابتسم رغم الألم” جمل انتشرت أو تداولت على أنها جمل الإيجابيين واستفزت العالم، واللوم هنا على مستخدميها وعلى من أطلق عليهم بإيجابيين، ففي الحقيقة، الإيجابية لا تعني أن لا نحزن أو لا نغضب، كل المشاعر من حق الإيجابي أن يعيشها وأن لا يقاومها حتى، ويتصرف تجاهها كما يريد، من المهم جدًا أن نتأكد أن الإيجابية أسلوب روحاني ومنطقي، فلا تأتي وقت الشعور، بل بعد التعافي منه، أي بعد مدة من عيش مشاعر الحزن أو الغضب.

    أما عن البعد عن الواقعية و الأفعال، سنصححها سويةً في بقية المقال.

    أعداء الإيجابية:

    أكثر من يُستفز من أي حديث إيجابي صادق هم الشخصيات الضعيفة التي تحب أن تمارس دور ضحية الظروف أو المجتمع الذي وجدوا فيه، وتحب أن تبقى قابعة في ظل الوهن الذي قد يكون مؤلم لكنه أكثر أمان في نظرهم من الحُلم مجددًا.

    كل شخص غير إيجابي أستطيع أن أتهمه بأنه شخص مليء بالخوف، الخوف من الأمل حتى لا يُخذل، الخوف من الثقة حتى لا يُطعن، والخوف من حسن الظن حتى لا يخيب ظنه.

    فمن المهم جدً أن يدرك هؤلاء الأشخاص منبع مخاوفهم، فالخوف أكثر شعور خفي يقيد عن التقدم بدون دراية منهم.

    المفهوم الحقيقي:

     الإيجابية هي في الواقع ليست أمر تلد به، و ليست بطبع ولا حتى صفة، هي أسلوب تفكير وأسلوب معيشة، بهذا الوسع مفهومها، ويكتسبها الإنسان من التربية ومن الزملاء أثناء نموه، وقد يعمل على بنائها في نفسه لاحقًا، وهذا بالضبط ما أحاول فعله في هذا المقال، أن أناشدكم وأرشدكم وأدعوكم لهذا العالم، عالم الإيجابية الذي لن ينقذك من ظروف الحياة الصعبة، لكنه سيخفف عليك وطأتها ويجعلك تعيش جيًدا وأنت تتعايش معها وتتخطاها بأفضل شكل.

    لو تساءلت للحظة أنه ماذا لو افترضنا أن بيئتنا أو حتى تاريخ حياتنا كان سيئا كفاية لنفقد كل ذرة أمل كنا قد امتلكناها، هل نستطيع أن نصبح إيجابيين؟ الجواب : نعم.

    فالإيجابية أحب أن أشبها بمياه النهر الجاري، تمشي وتمشي بسرعة وبثقة أنك تمشي بالطريق الصحيح المرسوم لك رسمًا دقيقًا وبدون أي تعثّر، لكن كل ذلك لن ينقذك من السقوط المفاجئ بشلال كبير تتناثر مياهك فيه وتتصادم بكل تلك الصخور، ثم يلتم شملك بعد فترة من الشتات لتعود لنهر آخر وتمشي مجددًا بكل ثقة آملًا أن لا تجد شلالاً آخر في طريقك، وإن وُجد فأنت تعلم يقينًا أن هنالك نهرٌ آخر سيلمّ شتاتك من بعده.

    الإىجابية واقعية:

    هنالك أيضًا ذلك التعريف المتداول عن النظرة الإيجابية، أنها النظرة إلى الكوب النصف ممتلئ بدلًا من قول نصف فارغ، وهذا يعني التركيز على الأشياء الجيدة رغم معرفتنا وإدراكنا بالنصف الفارغ والذي هو كناية عن الأمور السلبية في حياتنا.

    أحب في هذا التعريف أنه يؤكد عن الإيجابية كونها أمر واقعي ولا يجب أن تكون حلم وردي، فهي تجعلنا نفكر بأمر حاصل ونركز عليه أو نفكر باحتمالات قد تحصل حقيقة وليست بعيدة عن العقل البشري، فمن يتوقع الطيران لأنه إيجابي أو من يرى كأسًا فارغًا ويقول أنه نصف ممتلئ، هنا يجب أن نعيد النظر في وصف هؤلاء الأشخاص و فحص لعقل الأول وعين الآخر على الأقل.

    قول وفعل:

    الأمر الذي يجب أن نتأكد منه هو أن الإيجابية أسلوب معيشة أكثر من كونها صفة، وهذا يعني أنها قول وفعل، فعندما يخبر الشخص أصدقائه أنه سينجح لا محالة وأنهم يجب أن يكونوا إيجابيين بينما هو لا يدرس ولا يسعى، فهنا يحق لأصحابه ولا ألومهم إن ترسمت في عقولهم صورة سيئة عن مفهوم الإيجابية.

    لابد أن يتبُع الشعور بالعمل، ولابد أن يلازم العمل الشعور، حتى يصل الإنسان بنفسية مرتاحة وبأفضل النتائج.

    و يؤكد هذه الفكرة منظور ديننا عن الإيجابية:

    الإيجابية من منظور الدين:

    في ديننا الإسلامي ذكر الله أن حسن ظننا به -إيجابيتنا- ستُحقق، وسوء ظننا أيضًا سيُحقق ونحن من يوجه تفكيرنا وإيماننا كيف ما أردنا.

    (الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء”).

    ولكن في نفس الوقت ديننا لم يتوقف عن الأمر بالسعي يقول الله سبحانه “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها” وتكررت كثيرًا كلمة السعي في القرآن في مواضع عدة، ومن أفضل القصص دلالة هي قصة مريم عليها السلام في مخاضها وشدة تعبها و وهنها تحت النخلة طلبها الله أن تهز جذع النخلة ليخلق لها معجزة تساعدها على الولادة “وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا”تخيلوا أن الله طلبها أن تهز نخلة وهي في المخاض، فعل لا نقوى عليه ونحن بكامل صحتنا و قوتنا، وهذه كناية على أهمية السعي حتى يحقق الله لك حسن ظنك به.

    كيف أصبح إيجابي؟

    الإيجابية تكمن في نظرتك تجاه نفسك، وتجاه بيئتك وأشخاصك، وتجاه المستقبل.

    كل يوم اعطِ نفسك حقها في تزكيتها “قد أفلح من زكاها” يقول الله تعالى هنا أن الفوز لا يكون إلا بتهذيب نفسك وتنظيفها، فاعمل على نفسك هي أكثر وصية أولية وأساسية، وذلك يكون بوقت خاص و ورقة وقلم تكتب فيها محاسن نفسك وبيئتك ومستقبلك،لتعزيزها والتركيز عليها، بينما كتابة المساوئ يكون لتحسينها والعمل عليها بشكل تدريجي، وقد تعيد النظر إلى المساوئ المكتوبة لتراها أحيانًا أصغر بكثير مما كانت في عقلك.

    تأكد من أن تنظف بيئتك من الناس السلبية والمحطمة، أو خفف الجلوس معهم على الأقل، واجعل عقلك يقظ لما يقال ولما يتشرب من أحاديث و أفكار، حتى في أبسط الأشياء كاختيارك لنوع الأغاني أحيانًا.

    انقد كل ما يقال من حديث سلبي بأسلوب لبق أو حتى بداخل عقلك، حتى يطرده عقلك ولا يتشربه.

    قد تكون نصائح قليلة لكنها من الأساسيات والتي نستطيع أن نقول أنها ستكون بداية جيدة للتغيير.

    خاتمة:

    سأكتفي لو خرجت من هذا المقال بأن الإيجابية ليست بطبع وفات الأوان أن تكونه، على العكس، هي أسلوب تفكير مكتسب تبنيه بذاتك في ذاتك، وأنها مزيج من قوى روحية بداخلك تنبع من إيمان بالله وأمل وتفاؤل، وبين منطق واعي بتوقع كل الإحتمالات التي قد تحصل، والطيب منها ما يجب أن نركز عليه.

    سأكتفي إن أدركت اليوم أنك قادر على أن تكون شخص مختلف باختيارك، بالسعي لهذه الإيجابية بهذه الخطوات البسيطة،و رويدًا رويدًا نحو التغيير الأفضل لروحك ولطريقك.


    -لمزيد من الأحاديث عن هذا المفهوم المظلوم تابعوا هذا البث، (بث كنبة السبت) من تقديمي-

    انقر هُنا

    ودمتم بود.

    أفنان الغامدي طبيبة نفسية

    طبيبة نفسية وكاتبة محتوى، أرى نفسي بين الكتابة و الثرثرة، أهتم جدًا وأستمتع كثيرًا في التوعية بالصحة النفسية بالأخص في مجال علم النفس الإيجابي. أهتم بكل ما يتعلق بالفنون وتأثيرها على الإنسان، وأحب أن أعطي من الكلمة ما يُسعد، فأصعد وأسعد.