عن بحر القرآن أتحدث…

  • 0
  • 1٬336
  • مع كل صيف نشدّ رحالنا إليه  قاصدين الاستجمام والراحة والاستمتاع، فنرتب الحقائب ونعد العدة بحماس وشوقٍ بالغين، لبلوغ ذلك المكان الرومانسي الحالم بأجوائه وهوائه ورياضته وأيضاً سباحته.
    ثم نعود منه إمّا ببشرةٍ مسمرة غامقة، أو بعلاقات عابرة تشكلت ونحن نسير يائسين وحيدين على شاطئه الرملي، نعود ببضعة أصداف، أو ببضعة أحجار تذكّرنا أننا كنا هناك ذات يوم، نعود بأغراضنا المتسخة وأجسادنا المرهقة، وبعقولنا المستمتعة لأنها حظيت بإجازةٍ من ضغط العمل، نعود بألبوم صورنا المكتظ بالصور والذكريات، نعود برغبتنا بعودةٍ قادمة وتكرار للتجربة، نعود وربما على ألسنتنا بقايا لطعم من تسبيح لذيذ لله لم نذقه من قبل، لأننا رأينا إعجاز البحر فاستخرجنا ذكر الله من صميم القلب.
    هذا ديدنا مع كل صيف أو شتاء ربما…
    ولكن ماذا لو أخبرتكم عن بحرٍ آخر ينتظر زيارتنا ولو لمرةٍ واحدةٍ في العمر، عن بحر عميق منسي، يحمل بداخله الدر ويقرأ لنا فنجاناً عن الغيب حتمي الحدوث؟
    عن البحر الذي يقذف أمواجه في وجهنا 32 مرةً  ولكننا لا ننتبه، ولا نعطيه جزءاً يسيراً من اهتمامنا، عن البحر الذي تغرق في هيبته فعلاً فتعود ملتف الرأس لا تدري يمينك من شمالك!
    عن بحر القرآن أتحدث، عن مواضع ورود هذا المكان الساحر في كتاب الله عز وجل، عن غروبه وشروقه عن مصيره ومآله، عن مكنونه وظاهره، عن معجزه وغريبه، عنه كله أتحدث!
    وإليه أدعوكم لنستمتع بزرقته قبل أن يصبح ناراً مشتعلةً لا نستطيع إخمادها، وقبل أن تفجّر أركانه فتصبح كتلةً واحدةً لا نميز بعضها من بعض.
    عن البحر تحدث القرآن
     “وسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ” ﴿٣٢ ابراهيم﴾
    ركبناها فعلاً يارب ولكننا رقصنا على سطحها وشربنا المسكر، وتنقلنا بها أشرين طاغين متناسين أن هذه الفلك تجري بأمرك.
    “وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا” ﴿١٤ النحل﴾
    أكلناه طرياً يارب ولكن لم يخطر في بالنا إلا اسم المطعم الذي قدمه لنا لذيذاً شهياً!
    “وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ” ﴿٢٤ الرحمن﴾
    رأيناها يارب وهي تمخر كالجبال على سطح الماء، ولكننا تذكرنا الدولة البارعة بتصنيعها بإتقان من الداخل والخارج، ونسينا أنك أنت من تجريها ولو شئت لأبقيتها ساكنة!
    أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴿٩٦ المائدة﴾
    أحللتَ وحرّمتَ ولكننا ما فعلنا إلا ما يحلو لنا فأكلنا وأكثرنا من الحلال والحرام!
    هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴿٢٢ يونس﴾
    سيّرتنا ولكننا اعتقدنا أننا منسيين ومتروكين، فما أرجعنا إليك لا التيسير ولا التعسير!
    وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴿٥٩ الأنعام﴾
    علمناك مطلعاً على الغيب، ولكننا عصيناك متجاهلين شهودك السر وأخفى!
    وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴿٦٧ الإسراء﴾
    مسنا الضر في البحر وغرقنا في بحر لجي عميق عابرين حدود الأرض ومهاجرين من الذل، فما دعونا في هذه الليالى الظلمى إلا باسمك وما تذكرنا أحداً إلا أنت، ولكن عندما أنجيتنا ما وجدتنا!
    فقد ضعنا في الحريات، وسلبت عقولنا رذائل المعتقدات ، فخلعنا حجابنا أولاً ثم خلعنا ذواتنا ثانياً فما أبقينا شيئاً نٌعرف به! فيا لشقائنا!
    فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴿٦٣ الشعراء﴾
    سبحنا في هذا البحر الذي ضربته، وغصنا تحت مياهه الحمراء وشاهدنا مرجانه، والتقطنا صوراً لا تنسى من أعمق أعماقه، ولكننا لم نتذكر أنك القادر على جعل البحر يبساً لو شئت!
    وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦ التكوير﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴿٣ الإنفطار﴾
    اشتعلت بحارنا وأضاءت ليالينا ولكننا تذكرنا مصاب بلادنا، وغاب عنا مصابنا وبلاؤنا بأنفسنا التي غفلت وغاب ذهنها عمّا سيؤول إليه هذا البحر بعد سنوات معدودة!!
    تذكرنا بلادنا المحروقة ولعنا من أوصلها إلى هنا، ولكننا لم نتذكر للحظةٍ واحدةٍ إلى أين نحن سائرون؟ وأين سنكون عندما سيشتعل البحر اشتعاله المجنون.
    قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴿١٠٩ الكهف﴾
    نعلم أن كلماتك كثيرة لا تنفد ولكننا لا نقرأها ولا نعقلها ولا نزورها ولو مرة في العام، فعلى أنفسنا السلام إذا استمر الحال إلى هذا المحال.
    إلى بحره الواسع شد الرحال واعزم البحث والسؤال، فعن البحر تحدث القرآن وأفاض
    فكن له مستمعاً،  أوإليه زائراً، أوبه سابحاً ، أومنه صيّاداً وإن استطعت في أعمق أعماقه غوّاصاً…

    أمينة الزعبي كاتبة ومدونة

    إعلامية وكاتبة، أعمل في قناة سبيستون، أحب المطالعة والتأليف للأطفال والكبار، أدرس الترجمة، وأعمل في صناعة المحتوى بأشكاله المختلفة (المكتوبة والمرئية والمسموعة)