على خط جرينتش لشادي لويس – عن الحياة “البين بين” وعبثية الموت

  • 1
  • 264
  • تبدأ الرواية بمكالمة تليفونية لبطل الرواية من صديق في مصر يطلب منه المساعدة في دفن شاب سوري، حياته اسطورية عبثية، هرب من وجه الموت بطرق عديدة وعجيبة، ليقابله أخيرًا، بهدوء وسلام على فراشه في لندن.

    الموت الذي يحكي في روايات أخرى مثل “سارقة الكتب” معاناته مع الأحياء، ومع الحرب وعبثية اختيارات البشر وعنفهم.

    يقص البطل الرواية، ولا أتذكر أنني قرأت اسمه في الرواية كلها لهذا  سأطلق عليه “شادي” وربما هذا ما أراده المؤلف أيضًا أن نضعه هو في الحكي، وأن يكون ذلك الحكي بمثابة “جزء” من سيرته الذاتية، أو ربما تكون بالفعل حكاياته الشخصية تداخلت مع حيوات تخيلية (أو واقعية) أخرى.

    حكاية “ش” هي حكاية المغترب الذي لا يستطيع الافلات من ذكرياته، فهو يحملها معه، ويعيش بها. فهو يترك خيوطًا تربطه بوطن لا يستطيع العودة إليه، وفي الوقت نفسه يعلم يقينًا أنه لن ينتمي ولن يُقبل أبدًا كمواطن حيث يعيش، فهو في “ليمبو” أبدي، لن يخلصه منه سوى الموت، الذي في رأي كان البطل الأول لحكايته.

    فالحكاية تبدأ بموت “غيث” ولكن لا يفلت فصل منها دون حكي قصة موت آخر، قريب له ثم صديق. بل وإن حكايات الجدة التي يفتخر بها ويجلها ليست سوى حكايات موتى، أجساد تنسج حولها حكاياتها. مجهولون بدورهم، يبحثون عمن يمنحهم حياة في الحواديت.

    ومع ذلك كله نجد نوعًا من الانفصال في الحكي بل الهدوء أيضًا، ربما قصة الصديق فقط هي ما ننفعل معه خلالها بعض الشيء، ولكن كل حكاياته الأخرى يستطيع أن ينقلها لنا من خلال منظور هادىء، عقلاني، بارد ومتباعد. فهو واقع يومي لموظف يعمل في إدارة مهمتها تقرير مصائر آخرين، مشردين ومساكين ولا بد أن يُحكم الأرقام والمستندات قبل أي شيء. أو ربما هي هكذا لأنه قرر أن السبيل الوحيد للنجاة هو الانفصال عن الواقع ووضع المشاعر في ثلاجة (حيث توضع أيضًا الذكريات التي يمكنها أن تحرك تلك المشاعر لنعثر عليها فقط، عند الحاجة لذلك). وفي عبارة دالة وموحية يقول: إن أخطر ما في هذا العالم هو الثلاجات وبرودتها التي من الممكن أن تحفظ أي شيء وكل شيء داخلها إلى الأبد.

    في الرواية نتعرف على عديد من الشخصيات المثيرة للاهتمام، شخصيات غرائبية ولكنها في نهاية الأمر تمثلنا جميعًا. شخصيات تحكمها اللا مبالاة التي تحكمنا أحيانًا، أو تبحث مثلنا عن قضية لنعيش من أجلها، أو حلم نخلقه لنحتمل في سبيله عملًا لا نحبه،  وزملاء لا نحتملهم، أو أساطير تاريخية تحملنا إلى وهم بحث يغنينا ويلهينا عن الواقع المؤلم حولنا.

    أماني فوزي حبشي مترجمة

    تترجم من الإيطالية إلى العربية وتحب الكتب والحياة والناس