عندما قرأت كتاب الشهرستاني..

  • 2
  • 1٬952
  • بعض الكتب ليست مدهشة فقط،

    بل أنك لا تعود بعد قراءتها كما كنت،

    لأنها تغيرك وتصقلك.

    – ما هو الكتاب أو الكتب، التي عشت معها هذه الحالة؟

    الكلمات أعلاه، هي (نسخ ولصق) لتغريدة كتبها الأستاذ (هاشم الجحفلي) كسؤال موجه إلى متابعيه. وبما أني واحدٌ من أولئك المتابعين، فقد أخذت أفتش في ذاكرتي عن إجابة لسؤاله.. عن الكتب التي لم أعد بعد قراءتها كما كنت؟!

    ولم يكد يمضي من الوقت بضع ثرانٍ إلا وقد وجدتني أتذكر ذلك الكتاب الذي جعلني أعاني من آلام الصداع المزمن لسنوات عديدة، كان من المفترض أن أقضيها(أي تلك السنوات) في اللعب، ومحاولة حفظ جدول الضرب، ولكن….!

    تقول الذاكرة:

    بينما أحدهم يخرج مع زملائه – طلاب الثاني متوسط- إلى مكتبة المدرسة -الصغيرة جدًا جدًا.. والمهترئة أيضاً!- كان تفكيره (أي الفتى) محكورًا في محاولة إيجاد خطة مناسبة تسمح له بسرقة أكبر كمية ممكنة من الكتب؛ يطمح أن يرى العالم من خلالها. 

    لم يكن مسموحاً لأحدٍ أن يستعير كتابًا من المكتبة، وليس في المنطقة مكتبة يمكن شراء الكتب منها، وليس هناك نقود.

    كل هذا قاد الفتى إلى تبرير (السرقة).

    في البيت أخرج الغنيمة…. كانت عبارةً عن كتاب واحد ضخم -أكبر كتابٍ وجده في المكتبة-. ذهب وانفرد به، أخذ يتأمله، يتلمس وجه غلافه، يقرأ العنوان المزركش( الملل والنحل ) تنزل عينيه، يلمح إسم طويلاً! كُتِب في بدايته (أبو الفتح) وفي نهايته (الشهرستاني).

    يومًا بعد يوم أخذ الفتى يقرأ في الكتاب، يقلب صفحاته؛ ما بين محاجات (إبليس) لـ(رب العزة)، وكلام (فلاسفة اليونان) واعتقادات (الصابئة) وآراء ( حكماء الهند)، ومذاهب أهل الإسلام كـ(الأشاعرة ، والماتريدية)، وتفاصيل تطول عن؛ المذاهب، والأديان، والآراء. 

    فأُضْرِمت في الفتى نارُ حيرة ٍ، قلبت ليله، ونهاره إلى دوامة من الشك غير المنقطع، الشك في كل شيء؛ (في الوجود وحقيقته)، (في الدين) ،(في الصواب والخطأ) وكان مصدر همه، أن ترجمة المؤلف (الشهرستاني) تدل على أنه من العلماء، فكيف لعالمٍ أن لا يرد على أهل الباطل، ويسكت عنهم؟! إلا إذا كان موافقًا لهم!

    أكل الشك ليل الفتى ونهاره.. أخذ يطلب من الله – إن كان موجودًا- أن يدله على طريقة.

    لم يفكر حتى في مصارحة أحد.. ماذا سيقولون؛ مجنون، ملحد، يرغمونه على الإستماع إلى حججهم التي لا يستسيغها!

    ومرت السنون.. أصبح الفتى شابًا.. حصل على بعض المال ..أشتري الكتب..قرأ  في كثير من الفنون.. تأرجح بين الإلتزام، وشيء من المعاصي؛ لكن الشك ما زال يباغته من فترة إلى أخرى..

    وفي النهاية استطاع أن يجد طريقه، أن يعرف ما يريد، أن يدرك أن الحقيقة التي نصل إليها عن طريق الشك، لا يمكن أن تتزعزع أبدًا.

    هذا ما كان من أمر الفتى، أما الكتاب فإن له شأن أخر، فالحق أن مؤلفه (الشهرستاني) بريء مما أعتقده فيه (الفتى) وذلك أن كتابه (الملل والنحل) من نوعية تلك الكتب التي تقوم على منهج (ذكر كل ما يعرف، دون تصويب أو تخطئة) وقد ذكر (الشهرستاني )ذلك في مقدمة كتابه – التي تجاوزها الفتى- فقال: ” شرطي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده”

    وبعد، فإن الواجب على من أراد أن يقرأ كتابًا؛- إن أراد أن ينتفع به-  أن يدرك نوع الفن الذي صنف فيه الكتاب، كما ولابد أن يعرف طريقة المؤلف في كتابه. 

    زيد المنديلي طالب علم

    مجموعة إنسان... مشتت بين القمة و القاع. عاشق للأدب، والتاريخ، والسفر.