عندما ابتُليت بالكثرة

  • 4
  • 3٬416
  • يقولون لك من باب التحبب والشكر والامتنان أيضاً : “الله يفتح عليك ويحوّل التراب لذهب بين إيديك” ولكن هل يعي هؤلاء المحبون ماذا يفعلون بك؟ وما يقولونه لك حبّاً؟
    هل يعلمون ماذا ستفعل هذه الكثرة بك؟ هل هم على درايةٍ بشيء يدعى “لعنة الكثرة” والغرق بالأشياء الكثيرة؟
    أخبرهم أنت بذلك وقل لهم بناءً على ما سأخبرك به من تجربتي…
    فأنا يا سيدي ممن ابتليت بالكثرة، وتعددت الأشياء حولي في أنواعٍ وأشكالٍ لا تعد ولا تحصى، وأشيائي لم تكن قبيحة بل جميلة حلوة وكل منها يروي قصة ذوق ورواق ذهبت لتشتريها، إلا أنها أقحمتني في دوامتها فخرجت ملتفة الرأس دائخة لا أعلم من أين أبدأ وماذا أختار!
    كثرة الأشياء والممتلكات جعلتني كل يوم أخوض في عراكٍ من الخيارات لا ينتهي، فلا أعلم ما أدع منها وما أختار، جعلتني أقع أكثر في شراك التردد والحيرة التي أبحث كل يوم عن ألف طريقةٍ تخلصني منه، لأجد نفسي غارقة به أكثر وأكثر، ولأجد أن اتخاذ القرار أصبح مسألة يحتاج مني إلى قرار.
    ففي الصباح مع خزانة الملابس لدي الكثير من الألوان والأنواع التي تعرض نفسها علي متزينة محببة، وعلى طاولتي تصطف الألوان والدفاتر والأشغال ولا أدري بأيها أبدأ؟ وأيها أختار؟
    دفاتر كثيرة، كتب كثيرة، مواقع كثيرة، محفوظات لا نعود إليها أيضاً كثيرة، معلومات كثيرة، أصدقاء كثر، مواهب كثيرة، ميول مشتتة ومآرب ضلت لكثرة التفاتها وتنقلها بين الحسن والأحسن.
    أرهقتني هذه الكثرة مع أنها كانت في أحد أيامي شيئاً أطمح إليه، ولكن ما إن وصلته حتى تمنيت لو أني لم أمتلك كل هذا ولم أدفع ثمنه كل ما دفع!
    اشتقت لدفترٍ واحد وقلم واحد، لثوبين أبدل بينهما، لحقيبةٍ واحدةٍ لا تتبدل بتبدل ثيابي، لهوايةٍ واحدةٍ أعطها تركيزي واهتمامي فتعطيني ثمارها وأكلها بدلاً من مئات تموج في خاطري، ولا تقدم لي شيئاً يذكر.
    اشتقت لمعلومةٍ واحدةٍ تشبع عقلي أنقلها بقلمي وأحفظها في دفتري لا في سجّل محفوظاتي السّحابي الذي أحتال على نفسي بحفظي له بدلاً من قراءته.
    اشتقت لدكانٍ صغير أعلم ما الذي أريده منه، بدلاً من متجر طويل عريض يعج بالألوان والخيارات والعروض والتخفيضات التي أعجز عن انتقاء ما أريد منها.
    واشتقت لخفة القلة التي لم أعد أراها نقصاُ بل راحةً و خفةً من أثقال تكبّل الروح، ولو كانت تغني الجسد بجميل الأشياء.
    اشتقت لاقتفاء أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تركه الإكثار، فقد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار ومالا يعنيه.
    اشتقت -حقّاً- لقليلٍ يقدم لي الكثير ومللت من كثير لا يقدم لنا إلا القليل.

    أمينة الزعبي كاتبة ومدونة

    إعلامية وكاتبة، أعمل في قناة سبيستون، أحب المطالعة والتأليف للأطفال والكبار، أدرس الترجمة، وأعمل في صناعة المحتوى بأشكاله المختلفة (المكتوبة والمرئية والمسموعة)