فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

كيف يؤثّر الرَّأيُ، والرأيُّ الآخر على تقييمنا لذكاء الآخرين

  • 0
  • 1٬784
  • قيل كثيراً، الاختلاف فى الرأي لا يفسد للود قضية، ويجادل الناس بعضهم كثيراً أملاً في إقناع بعضهم البعض. إنَّ الرّأي اصطلاحًا هو ما يتصوّره الإنسان في عقله، وهو وجهة نظره نحو الأمور، وكثيرًا ما تتغيّر مسارات حياتنا بسبب آرائنا، ولكن هل يتجاوز الرّأيُ المواقفَ، ويؤثّر على تقييمنا لمن هم حولنا؟

    في برنامج الدِّحيح وضمن إحدى الحلقات القديمة الهامّة، حلقةٌ بعنوان: الرَّأي الآخر عام 2017 ناقش فيها أحمد الغندور دور اختلاف الآراء في تقييمنا للآخرين، ولم أستطع مقاومة البناء عليها.

    حسب دراسةٍ أجرتها إحدى الجامعات الأمريكيَّةِ، فإنّ نسبة الدِّيمقراطيِّين الذين يغيِّرون آراءهم بسبب رؤيتهم لشيءٍ على موقع فيسبوك لا تتعدَّى الـ8 %، بينما نسبة الجمهورييِّن لا تتجاوز الـ 6%. قد لا تؤثّر نقاشاتنا على فيسبوك في الآخرين، أو لا تُغيّر آراءهم، أو وجهات نظرهم، وأفكارهم، ولكنها تغيِّر أمرًا آخر، وهو رأيهم في ذكائنا، وتقييمهم لقدراتنا، فإذا كان رأيك مُختلفًا عن آراء الآخرين، فلا تنظر لـ 92% من النّاس الذين يختلفون معك في رأيك، بل انظر لنحو 61% منهم أولئك الذين يُشكّكون في ذكائك، فقط لكونك تحمل أفكارًا يختلفون معك فيها!

    إنّ الاختلاف في الرّأي يُعتبر اغناءً للأفكار، ولا يُعتبر أمرًا سيّئًا أبدًا، ولكن تكمن المُشكلة في التّقييم، من يتّفق معي فهو ذكيٌّ، ولديه المعرفة الكافية، أمّا من يُخالفني الرّأي فلا يتمتّع بالفهم، أو الذّكاء حتّى! مثلاً 61%  من الجمهوريِّين يقيِّمون ذكاء الشَّخص بنظرةٍ انحيازٍ، وبناءً على ميوله السِّياسيَّة، حسب دراسةٍ أُجريت على 10000 شخصٍ.

    إذا أردنا العودة للجذور العلمية للسبب، فهو يعود إلى علم النِّفس الاجتماعيِّ حيث هناك مصطلحٌ مشهورٌ يسمَّى تأثير الإجماع الكاذب، وهو حسب ويكيبيديا نوعٌ إسنادي من التحيز المرفي حيث يميلُ فيه النَّاسُ إلى الإفراط في تقدير مدى طبيعية آرائهم، ومعتقداتهم وتفضيلاتهم، وقيمهم، وعاداتهم، ونموذجيَّتها بالنِّسبة لآراء الآخرين. يميل هذا التَّحيّز المعرفيِّ إلى التَّسبُّب بإدراك إجماعٍ غير موجودٍ، ويكون إجماعًا كاذبًا.

     نعتبر آراءنا التي تصف الوضع الحاليَّ واضحةً جدًّا، ونعتقد أنَّ أغلب العقلاء لديهم نفس الرّأي، وإن هم خالفونا الرّأي لا نعتبرهم أصحاب فكرٍ، وعقلٍ!

    في دراسةٍ أخرى  حول اقتناع النَّاس بأرائها، طلبوا منهم اختيار لباسٍ، ومن ثمَّ سألوهم كم نسبة النَّاس التي ستوافق على ارتداء هذا اللّباس، وكانت النّتيجة بأنَّ الذي يختار لباسًا معيَّنًا يعتقد أنَّ هناك عددٌ كبيرٌ من النَّاس سيختاروه أيضًا. ويمكن تفسير ذلك بدارسةٍ مُمتعةٍ جدًّا وجدت أنَّ حوالي 95% من مدرِّسي الجامعات يرون أنَّهم أفضل من مدرِّسي المرحلة المتوسِّطة، وهم مؤمنون أنّهم الأفضل، وطبعًا هذا شيءٌ مستحيلٌ في عالم الإحصاء ..

    نحن لا نشكِّكُ في آرائنا، ولا نشكِّ في قدراتنا عندما نشرح هذه الآراء، لكن نشكُّ في ذكاء في الآخرين، وقدرة الاستيعاب لديهم، وبالتَّالي كلُّ المجموعات التي يتمُّ بناؤها على أساس النِّقاش، والحوار تنتهي بفشلٍ ذريعٍ لأنَّها في النِّهاية تقتل أيَّ فكرةٍ للتَّعاون بين أعضائها، ويصل أعضاؤها لنتيجةٍ أنَّ باقي الأشخاص لا يتمتّعون بالذكاء الكافي مثلهم.

    ما الحل:

    تفشل عمليَّةُ الإقناع القائمة على المنطق، والحقائق فشلًا ذريعًا، وذلك لأنَّنا غالبًا ما ننسى أنَّ المنطق هو المرحلة الأخيرة في الإقناع.

    تبدأ عملية الإقناع أولًا ببناء الثِّقة، والمصداقيَّة (هل أنا جديرٌ بالثِّقة أصلًا؟) ثمَّ بالتَّفهُّم العاطفيِّ للشَّخص الآخر (هل فهمت الشَّخص الآخر على مستوى الدَّوافع، والمشاعر؟)، ثمَّ يأتي دور المنطق، والعقل.

    لا يُمكن تصنيف هذه الطّريقة على اعتبار أنّها طريقةً جديدةً، بل هي بمثابة فلسفةٍ جاء بها أرسطو قبل أكثر من 2000 سنة، وتدعى مثلّث البلاغة، إذ يرى أرسطو أنّ اقناع الآخرين يمتثّل في مثلّثٍ أضلاعه:

    • الأخلاق Ethos وقد ترافقها السّلطة، أو مكانة المُتحدّث، فمن يتمتّع بمصداقيّةٍ، وبسمعةٍ طيّبةٍ، ومن يكون صاحبَ شأنٍ بالطّبع ليس مثل عوام النّاس.
    • العاطفة Pathos وتتجلّى عندما يتحدّث الشّخص بكلامٍ جذّابٍ جميلٍ يلعب على وتر المشاعر، والعواطف، أو قد يُخاطب النّاس بابتسامةٍ جذّابةٍ، أو باسلوبٍ جميل.
    • المنطق Logos عندما يستخدم المُتحدّث لغة المنطق في حديثه، ويدعم خطابه بالأرقام، والبراهين، والحقائق، فيبدو واسعَ المعرفة.

    كلّما وجدت نفسك على وشك الانتصار في حوار، تذكر أنّ الانتصار قد يكلفك أكثر!

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.