احترس.. ذلك الشغف فيه سمٌ قاتل

  • 2
  • 368
  • ما أسهل الكلمات حين تعبر عن الفعل، وما أصعب الفعل حين يجسد الكلمات، علمتني الأيام أن شاعرية اللغة لا تكفي لتغيير الواقع، وأن الإيمان بما ينطقه اللسان يقتضي المطابقة بين القول والفعل، كما يفقد هذا القول فاعليته إذا تعذّر عن مجاراة الواقع بما فيه من تجارب وتحديات وخبرات تُكتَسب من كل منهما.

    في قاعة مكتظة بالطلاب الجُدد، كان الجميع مشدوه يستجمع كل تركيزه ليظفر بخلاصة التجارب التي مر بها طالب يسبقنا بعامين أو ثلاثة، يقف أمامنا على المنصة ليعطينا دليل البحث عن الشغف الحقيقي بمجرد الإجابة عن سؤال طرحه على هذه الشاكلة: “ما هو العمل الذي تستطيع فعله طيلة حياتك شريطة أن تفعله بسعادة ودون كلل أو ملل؟” إجابتك هي شغفك وعليه ستحدد طبيعة وظيفتك الأنسب.

    كان هذا منذ ثلاثة سنوات أثناء الدورة التمهيدية للطلاب الجدد بكلية الصيدلة التي انتسب إليها، عزمت منذ ذلك الحين على البحث عن شغفي الحقيقي، وأحسب نفسي ذا حظ لعلمي المُسبق بما أهوى، الأمر الذي يسّر عليّ مهمة البحث كثيرًا، كنت أعلم أنها الكتابة بلا شك، وإن كنت قد وُفِقت في الإجابة فلم يتحرى السائل دقة سؤاله، السؤال الذي طرحه يتكون من شقين أولهما مجهول يتغير من فردٍ لآخر بتنوّع الميول والهوايات، وثانيهما ثابت وهو اشتراك جميع تلك الهوايات – على اختلافها- في بعث السرور في نفوس ممارسيها وضمان تخطي وحشي الكلل والملل.

    لكن هل الشرط الذي وضعه السائل لتحديد صحة الجواب واقعي؟ هل يستلزم الشغف الحقيقي مزاولة بدون رتابة أو تعب يتبعهما مستوى مرتفع من السيروتونين في كل مرة؟

    حينها كنت مقبلة على مرحلة جديدة، أتوق للأفضل ثأرًا من عنق الزجاجة، أقرأ مقالات التنمية البشرية الرديئة بنَهمٍ، واستعذب سماع العبارات الحماسية بغض الطرف عن قابليتها للتطبيق، أعطي جُل انتباهي لكل فرد قادر على تغيير نبرات صوته وتعبيرات وجهه بينما ينطق بكلمات تستهدف عواطفنا وتداعب أملنا الواهي في أن نصبح خارقين بلا كلل أو ملل!

    ما أدركته لاحقًا أن هذا السؤال الشرطي غير واقعي إلى حدٍ ما، الشغف لا يضمن الوقاية من الرتابة والإجهاد المتلازمين مع أي فعل يكرر نفسه قسرًا وإلزامًا، أو حتى طواعيةً ورغبةً منك، كالرسم والعزف والكتابة والقراءة والدراسة، أمّا في الوقت الذي يفرض فيه الواقع التعامل مع الهواية كمهنة أو عمل يُرغِم صاحبه على الالتزام بعدد ساعات معينة، لن يكون الشغف أبدًا على هيئته المثالية التي يُروجون لها في كل محفل.

    إن كنت في مجال كالكتابة مثلًا سيُداهمك – لا محالة- شبح الملل وفقدان الطاقة ناهيك عن أوقات نضوب القريحة وهروب الأفكار والتشتت الذهني، ولا يعني كل ما سبق أنك لا تحب ما تعمل، أو أنك لم تجد شغفك، كل ما في الأمر أن “هكذا يكون الواقع”.

    تتكرر أمامنا الجملة الأشهر: “حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب” ثم تأتي لتضع تلك الجملة على مقياس الشغف المرهون بغياب أيّة معوقات نفسية لتجد أن الأمر مستحيل، نجاحك في أي عمل – حتى وإن كنت تفعله بحب- لن يكون إلا بالتكيّف والتأقلم مع طبيعة هذا العمل، ولمّا كان التكيّف يقتضي مجابهة الإرهاق الذهني والبدني علاوة على تقبُّل الواقع بإيجابياته التي يتغنون بها وسلبياته التى يحجبونها عنك؛ سيكون مُطالب منك التحلي بالصبر لضمان الاستمرارية.

    لا أكتب هذا المقال لأدين الشغف على أي حال، ولست بصدد تفنيد العبارات التي تعلي من قيمته، لكني أعترض على أي مفهوم يقدمه في صورة مثالية غير واقعية، فذلك المفهوم فيه سمٌ قاتل، فمن الأفضل للإنسان أن يعمل ما يحب ويختار المهنة التي تناسب ميوله وقدراته مع الوضع في عين الاعتبار أن هذا الحب يتطلب الصبر والجهد وبدونهما لن تصل للنجاح المُستحق.

    وفي حال اتباعك منطق السؤال الذي يربط الشغف بغياب الكلل والملل، ستفقد الثقة بنفسك بعد عدة محاولات وتتساءل: “هل ما أفعله هو شغفي الحقيقي؟” وإن كان كذلك فلماذا اتقاعس وابتعد أحيانًا؟ ومن هنا ستشك في قدراتك، ستغير وجهتك وتبحث عن شغف آخر في مجال جديد، ولكن في النهاية ستدرك أن نفس الوحوش تطاردك أينما ذهبت، ولا مفر من المواجهة فلن يجدي معك الهروب نفعًا.

    ياسمين السيد طالبة

    أستعين على مواجهة العالم بالكتابة.