فنان تشكيلي يشيد جسرا بين الرياضيات و مسرح شكسبير

  • 1
  • 552
  • ولد إيمانويل رادنتسكي في فيلادلفيا عام  1880 و هو فنان متعدد الميول من الرسم إلى التصوير الفوتوغرافي مرورا بالسينما. و يعتبر من رواد الحركة الددائية المعادية للحرب من خلال نقد و عصرنة  الفن السائد آنذاك، و هي التي أدت بدورها إلى نشأة الحركة السريالية المحررة كليا للفكر البشري. 

    و قد لعبت البيئة الجغرافية التي ترعرع بها مان راي و المدارس التي زاولها دورا كبيرا  في بلورة أسلوبه الأناركي و التحرري.

    وصوله إلى باريس عام 1921 مكنه من مرافقة العديد من الوجوه السريالية المعروفة مثل بول إلوارد و لويس أراغون. لتتحول العاصمة الفرنسية إلى ملاذ لإبداع الفنان حيث سرعان ما يتم عرض أعماله في معرض بيار سنة 1925 إلى جانب أعمال بابلو بيكاسو و خوان ميرو.

    Credit: Joseph McKeown, Getty

    في قلب الحي اللاتيني لباريس و على مسافة خطوات قليلة من البانتيون (Le Panthéon)، يتواجد معهد هنري بوانكاري للرياضيات و الفيزياء النظرية (Institut Henri Poincaré)، معهد رائد في مجال البحث العلمي على المستوى العالمي و الذي اقترن اسمه بمجموعة مجسمات رياضياتية مصنوعة ما بين 1860 و 1910 من مواد مختلفة: جبس، خشب، ورق، معدن، خيط … (600 مجسما بعض منها معروض على مستوى المكتبة) ما يثير اهتمام المطلعين. و الهدف من صناعتها حسب مؤرخي الرياضيات متباين،  فهناك من يرجح أن الهدف الرئيسي تعليمي،  حيث أن المجسمات تساعد على تنمية قيم بيداغوجية مهمة لدى الطلبة كالحدس الرياضي و الرؤية الملموسة لبعض المفاهيم المعقدة، إلا أن هذه المجسمات تترجم الشكل الذي تأخذه حلول معادلات مركبة عند إسقاطها نقطيا على عالمنا الحقيقي. فاستعمال هذه المجسمات للتدريس يتطلب معرفة كبيرة للمعادلات التي تجسدها، و هذا ما يؤكد على عدم فعالية المجسمات في للتدريس لأن الفهم القبلي لصيغة أو مشكل رياضي بأبعاد فائقة يجعل إسقاطها على معلم ثلاثي الأبعاد دون فائدة تذكر. 

    قال عالم الرياضيات الفرنسي و المتحصل على ميدالية فيلدز عام 2010: 《بعض الأجسام، من وجهة نظر رياضياتي،  بالرغم من اختلافها، تتشارك نفس الميزات التي تجعلها تنتمي لنفس العائلة كعائلة الأجسام ذوات الانحناءات السلبية الثابتة (negative gaussian curvature -hyperboloid). و هنا يكمن جوهر الرياضيات: الاستيعاب،  الاستيعاب ثم الاستيعاب.  الاستيعاب وفق أسس تمكننا من إطلاق مصطلح موحد على أشياء مختلفة.》من هنا نستنتج أنه من المحتمل أن نماذج معهد هنري بوانكاري تهدف إل تسهيل تصنيف الأجسام الرياضياتية. 

    بعض من المؤرخين فضلوا ربط تصميم هذه المجسمات بانتشار الهندسة التحليلية و العبارات الجبرية آنذاك و الذي حد من تعميم الرياضيات (popularization of mathematics). ليقوم رواد الهندسة الوصفية بإنشاء المجسمات كرد على الذوق السائد آنذاك و التأكيد على إمكانية الوصول إلى المعلومة الرياضياتية بطرق مختلفة منها الإدراك الحسي الملموس. 

    في الثلاثينيات من القرن الماضي و في خضم الطفرات السياسية، الفكرية و الاجتماعية التي عرفها الغرب، اعتبر علماء الرياضيات أن العهد الذهبي للتصميم ثلاثي الأبعاد قد ولى. و في حين استغنائهم الكلي عن هذه المجسمات (ما سبب نوع من الإهمال)، كان السرياليون في رحلة البحث عن أشياء غير مألوفة من أجل إعطائها بعدا فنيا. ليختار إذن مان راي 34 مجسما من مجموعة المعهد، مجسمات رأى أنها ولدت من جنون علماء الرياضيات، و كانت بداية المشروع بجلسات تصوير في ذات المعهد بالإعتماد على إضاءة عادية و خلفيات حيادية سواء من الورق أو من قماش المخمل. 

    عند مشاهدتنا لأي جسم كان، فإن ما نراه يعتبر إسقاطا للجسم على مستوي معين. إذ يلعب الضوء دورا كبيرا في تحديد زاوية الإسقاط. فربما ما الرياضيات سوى مسألة ضوء و ظلال فالدوال مثلا هي عنصر أساسي لفهم الفضاءات و الأجسام من خلال إسقاطها على فضاءات أقل تعقيدا، و ربما يكمن القاسم المشترك بين الرياضيات و التصوير الفوتوغرافي في الاستغلال  الأمثل لزوايا  النظر. 

    خيال مان راي و دهائه الفني مكنه من التحكم في بساطة محيط التصوير من إضاءة و خلفيات لكي يؤكد على تعقيد المجسمات في حد ذاتها.  كما أنه  غالبا ما كان يقوم بتصوير تراكيب من المجسمات من أجل خلق مشهد و إخراجها من فضائها الفيزيائي الملموس و لكن بالأخص  من أجل إتاحة المجال للرائي لترجمة الصورة على طريقته.إضافة إلى هذا، فالتقنيات التي استخدمها التصوير تقارب تلك التي يستخدمها عند تصوير البشر. كل هذه العوامل أدت إلى إضفاء لمسة شاملة للوحات الفوتوغرافية، لمسة عدد أوجهها بعدد التفسيرات التي تنسب إليها، و بذلك فإن عمل مان راي، كما سنراه من خلال هذه المدونة، يعتبر استكشافا للذات البشرية.

    سنة 1936 كانت حافلة بالإنجازات في مسار الفنان الباريسي حيث تم نشر الصور في مجلة Cahiers d’Art و التي تعتبر مجلة و دار نشر أدبية و فنية عريقة ثم خصص مكانا لأعماله في صالون بعنوان “أجسام سريالية” بمعرض شارل راتون Galerie Charles Ratton بباريس. بعد ذلك عرضت الصور للبيع بمتحف الفن العصري لنيويورك و كان سعر الصورة الواحدة يبلغ 15$ -في حين أن سعرها اليوم يفوق 40000$-، و لكن للأسف لم يتم بيع أيا منها.

    عند اندلاع الحرب العالمية الثانية،  لم يكن تواجد مان راي بباريس مطمئنا كونه أمريكي الجنسية يهودي الديانة،  فاضطر إلى العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1940 للاستقرار بهوليوود و يتفرغ للإنتاج الفني. أرادت هذه الفترة من حياته مع محورة اهتمامه حول الرسم من جديد. لم يرد الفنان قط أن يقارن بين الرسم و التصوير الفوتوغرافي لأن الفرشاة و الكاميرا متكافئتين و ما هي إلا أدوات للتعبير حد سواء و تمثلان بالنسبة له ما تمثله الآلة الكاتبة للمؤلف.  

    قرابة سبع سنوات إذن بين صور مجسمات معهد بوانكاري و اللوحات التي تمثل تماما نفس المجسمات بنفس زوايا التصوير، عمل الرسام على إضافة ألوان توافق المشاعر التي حركتها المجسمات بكيانه، و كما ذكر سابقا، فإنه رأى طاقة بشرية في انحناءات الأشكال الرياضياتية، لذلك اقترح عنوان “معادلات بشرية” لسلسلة لوحاته قبل أن يتم تغييره إلى “معادلات شكسبيرية”. 

    إن نسب هذه اللوحات لشكسبير يؤكد على ديناميكية أفكار مان راي،  فكون المسرح،  الدراما و التراجيديا وليدة الإحساس البشري جعله يتخيل مشاهد عند تصوير ثم رسم المجسمات. إذ أنه عمل على تسمية كل لوحة على مسرحية من مسرحيات عملاق الأدب الإنجليزي،  لنجد روميو و جولييت، هاملت، الملك ليير … و كان مان راي غالبا ما يمازح أصدقائه بمطالبتهم بتخمين عنوان اللوحة،  و قال أنهم كانوا يصيبون تارة و يخطئون تارة أخرى، و كلما أخطؤوا  كان ذلك أفضل لأنه دليل على تعدد و اختلاف الأحاسيس التي تنتابهم عند رؤيتهم للوحة ما. و يرجح بعض المختصين اختياره لعناوين شكسبير إلى عالمية المؤلف، فبعض النظر عن اختصاصاتنا و ميولنا إلا أننا جميعا نعرف شكسبير و نمتلك فكرة عامة عن أعماله. 

    أسماء اللوحات (بدءا من الأعلى على اليمين) هي: يوليوس قيصر، بعض النقاد يرون في هذه اللوحة شكل رجل مبتور الرأس. المثير للانتباه أيضا هو أن مان راي أضاف سبورة خلفية 2+2=22.

    تليها لوحة الليلة الثانية عشر (The Twelvthe Night) و التي أثارت كثيرا من الجدل بسبب مجسم لم يستطع علماء الرياضيات الفرنسيين نسبه إلى معادلة رياضياتية. و قد لاقى علماء الجامعة التقنية لميونيخ بألمانيا نفس الصعوبة إلى أن يتقدموا في الأخير أن هذا المجسم لا يعتبر جميع رياضيا، بل تم تصميمه كحامل لمجسم منحن ليست له قاعدة مستوية لتثبيته.

    Credit: cnrseditions.fr

    أخيرا، لوحة الملك ليير (King Lear) لوحة مميزة جدا، إذ أن الصورة أساسا أخذت من زاوية تجعل المجسم كأنه إنسان (شخصيا هي صورة تذكرني بالدراويش الدوائر بكونيا The whirling Dervishes if konya)، بعض النقاد يرون أن مان راي لمح بشدة من خلال هذه اللوحة إلى فن النهضة بأوروبا (Renaissance Art) و بالأخص لوحة L’Homme de Vitruve للعبقري ليوناردو دا فنشي.

    إذن فكل شيء فن أو لا شيء، هكذا أختصر عالم فنان رأى العالم كمكان مليء بالضجر لولا جرعة من الجنون.

    في الأخير، أريد أن أنوه أن هذا المقال من كتابته استنادا على فيلم وثائقي بعنوان مان راي و المعادلات الشيكسبيرية ( Man Ray et les équations shakespeariennes) أخرج سنة 2019 من إعداد معهد هنري بوانكاري.

    منال رموم مدون