فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

قراءة في كتاب “في لمح البصر”

  • 1
  • 544
  • لماذا يميل الناس لاتخاذ قرارات سريعة معتمدين بذلك على مشاعرهم في لحظة اتخاذ القرار؟ وهل هنالك علاقة بين القرار الذي يتم اتخاذه وبين السبب الذي أدّى له فعلاً؟ هل نعتمد على حدسنا فحسب ومن ثم نقوم بالتبرير، أم أنّنا نحلل فعلاً الأسباب ونتخذ القرار الأفضل؟

    يقارن الكاتب مالكوم جلادويل في كتابه الرائع “في لمح البصر”  والذي قامت بتلخيصه بشكل رائع قناة خير جليس بيّن استراتيجيات اتخاذ القرار في العقل البشري، بين التفكير البطيء الواعي والتفكير السريع اللاوعي، والذي انطلق فيه من كتاب دانيال كانمان الشهير التفكير: السريع والبطيء.

    كعادته يفضّل مالكوم جلادويل رواية القصص لايصال فكرته، وبدأ كتابه بحادثة إنفاق مبلغ 10 مليون دولار مقابل شراء تمثال يوناني في متحف جديد في لوس انجلوس، ولكن شعر أحد زوار المتحف جورج ديبنس وهو رئيس المتحف اليوناني في أثينا أنّ التمثال مزيّف من الوهلة الأولى، وذلك بسبب حدسه الذي دلّه أنّ حالة التمثال لا تتماشى مع تاريخه القديم، وبناءً على ذلك قام المتحف بدعوة العديد من الخبراء للتحقق من تاريخ التمثال، وفعلاً تبيًن بعد ذلك بأنه مزيّف، لذلك اضطر المتحف وضع لائحة كتب عليها، (تمثال يوناني يعود إلى 530 قبل الميلاد أو تمثال مزيف)،

    من هذه القصة ينطلق الكاتب بمناقشة متى علينا أن نثق بحدسنا الأولي، ومتى علينا أن نخشى منه، وبالمتابعة بهذا الشكل من خلال قصص متنوعة، استخلص الكاتب أنّ  بعض المواقف تتطلب الاعتماد على التفكير السريع اللاوعي بدلاً من التفكير المنظم الواعي. تجعل الخبرة الواسعة لدى الشخص من قراره اللاواعي مهماً للاستئناس به، وحتى الثقة به، ويناقش الكتاب أيضاً أنّ الكثير من القرارات التي يتخذها الإنسان تحدث في العقل الباطني أي في اللاوعي حيث يميل الإنسان إلى اتخاذ القرارات اللحظية، ومن ثمّ يضع لها تفسيرات منطقة وعقلانية.

    خذ مثالاً حين تتقدم لمقابلة عمل، يقوم الشخص المقابل لك باتخاذ القرار بأنّك مناسب أو غير مناسب خلال لحظات، ومن ثمّ يبدأ بقراءة السيرة الذاتية الخاصة بك بهدوء، ولكن بطريقة تُفسّر قراره، ورغم خطورة ذلك، عليك الانتباه له لتكسب الثوان الأولى فهي الحاسمة وليس المقابلة الكاملة.

    في مثال آخر، يبني حارس المرمى ردة فعله أثناء ضربات الجزاء على الشعور والحدس، ولكن إذا ما تمّ سؤاله عن سبب ردّة فعل، ستجد تفسيرات كثيرة منه تتحدث عن قراءة معطيات وحسابات طريقة جري اللاعب، وسرعة الكرة وغيرها.

    يؤكد الكاتب أنّ معظم القرارات التي يعتقد الإنسان أنّها منطقية، هي مجرّد قرارات لحظية مبنية على الحدس.

    في قصة أخرى، يذكر الكاتب المنافسة التقليدية بين شركتي كوكا كولا و بيبسي، وذلك عندما بدأت شركة كوكا كولا في أوائل الثمانيات بفقدان سيطرتها على السوق بعد منافسة شركة بيبسي لها، وذلك من خلال قيام شركة بيبسي بإنتاج مشروب غازي بوصفة مختلفة بشكل بسيطة عن شركة كوكا كولا. فيما بعد قامت شركة كوكا كولا بتطوير نكهة جديدة بهدف استعادة سيطرتها على السوق، وقبل إصدار تلك النكهة قامت الشركة بإجراء اختبار تذوق له من قبل عدة خبراء تذوق. أجمعت وقتها نتائج الاختبار بعد إخفاء العلامات التجارية واحتساء رشفة واحدة فقط من المشروب الغازي على أنّ المنتج سيحقق نجاحات هائلة ويكتسح السوق، إلاّ أنّ ما حدث هو عكس المتوقع، وفشل فشلاً مدوياً جعل شركة كوكا كولا تقوم بسحب المشروب من السوق.

    والسؤال هنا لماذا فشلت شركة كوكا كولا بعد كل تلك الاختبارات؟

    أوضح الكاتب السبب هو قيامها بإجراء الاختبارات في ظروف خاطئة وغير واقعية، وليس لها علاقة بالسلوك السائد لدى مستهلكي المشروبات الغازية، من وجهة نظر اختبارية قد تكون النكهة الجديدة جيدة، ولكن لا يمكن انكار أنّ إعجاب الناس ب كوكا كولا لا يتعلق بالنكهة، وإنّما بالصورة الذهنية في أذهان الناس، اللون، شكل العبوة، الذكريات، وإذا تم إلغاء كل ذلك، ووضع المشروب الغازي في كأس بدون شعار، لن يميّز أحد الفرق بين مشروب غازي وآخر، ولن يشعر أحد بالسعادة أصلاً.

    يعرّج الكاتب بعد ذلك إلى دور الأحكام المسبقة في العنصرية، حيث أظهرت دراسات علماء النفس بأنّ معظم الأحكام المسبقة العنصرية، هي بالواقع أحكام راسخة لدى العقل الباطني، وضرب الكاتب عدة أمثلة على ذلك ومنها: وجود صعوبة لدى الأمريكيين في ربط كلمة أسود بصفات إيجابية مقارنة مع كلمة أبيض، وهذه الظاهرة رغم وجودها في اللاوعي إلا أنّها تتحكم بالوعي فيما بعد، حتى لو تم انكارها.

    بالمقابل يُخدع الناس ببساطة بالشكل والبشرة والمظهر، ويقررون أنّ الشخص جدير بالثقة بناء على ذلك أكثر من مؤهلاته، ويشير الكاتب إلى انتخاب وارن جي. هاردينغ رئيساً للولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث ظنّ مؤيدوه أنّ هيئته ومظهره يوحيان له بمظهر الرئيس، ولكن فيما بعد أدرك مؤيدوه أنه كان من أسوء الرؤساء المنتخبين على مرّ التاريخ بسبب عدم امتلاكه أي مهارات أو صفات تؤهله لمنصب الرئاسة، ولكنهم خدعوا بالكاريزما ولم يستطيعوا فصلها عن المؤهلات.

    كعادته في كتبه، لا يصل مالكوم جلادويل إلى توصية نهائية، وإنّما يترك لللقارئ الأبواب مفتوحة على مصرعيها، ليصل للنتيجة التي يريدها، وليقرر متى يمكنه الاستفادة من اتخاذ القرار بلمح البصر، ومتى عليه التريّث في ذلك، وعدم الوقوع في هذا الفخ، وبكل الأحوال يجادل مالكوم أنّ علينا أخذ ذلك بعين الإعتبار في الحياة بشكل واضح.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.