فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

مراجعة كتاب (لا يمكن أن يؤذيني)

  • 0
  • 856
  • يعدّ كتاب (لا يمكن أن يؤذيني: تحكم بعقلك وتحدى الصعاب) أحد الكتب التي تدمج السير الذاتية مع دروس الحياة والمساعدة الشخصية، وهو نتاج مشترك بين رجل البحرية والجيش دايفيد غوغينز والصحافي آدم سكولنيك.

    يحظى دايفيد غوغينز بشهرة واسعة لكونه  الرجل الوحيد في التاريخ الذي استكمل تدريب النخبة للبحرية والجيش، والقائد التكتيكي للقوات الجوية. كان رياضيًا مثابراً، وعند التقاعد قضى وقته في التنافس في عشرات من سباقات الماراثون، وهو يحمل حاليًا الرقم القياسي العالمي في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لعدد تمارين رفع الجسم في وقت معيّن (4.030 مرة في 17 ساعة).

    كتاب “لا يمكن أن يؤذيني: تحكم بعقلك وتحدى الصعاب”  هو سيرة ذاتية لغوغينز، تروي قصته ودروس الحياة التي تعلمها خلال مسيرته. الكتاب الذي شاركه فيه الصحافي آدم سكولنيك يتميّز بالصدق والبعد عن تلميع الصورة.

    لا يزيّف غودغينز حياته، ويحب تعابيره وشتائمه وعلامات التعجب التي ينثرها بين السطور، ويصف غوغينز نفسه في الماضي على أنه شاب عاطل عن العمل، يعاني من زيادة الوزن، والشعور بالاكتئاب، يره من أب عنيف، ويعوقه الفقر ويعاني من الإساءة العنصرية ومن نوع من المشكلات الصحية الجسدية.

    يمكن وصف مجريات الكتاب بقوله:

    إنّهم يقولون دائمًا: إن هناك ضوءًا في نهاية النفق، لكنك لن تراه إذا اعتادت عيناك على الظلام. وهذا ما حدث لي. كنت خدرًا، وبائسًا في زواجي.

    عاقب غوغينز نفسه بالخضوع لبرامج التدريب القاسية ودراسة الأنظمة من أجل اجتياز امتحان دخول الجيش، فكانت المهنة العسكرية خلاصًا من حياته الفاشلة ومهنته السابقة في إبادة الحشرات وقضاء اليوم في تناول الدوناتس. كانت العقيدة العسكرية التي اعتمدها الكاتب قاسية للغاية، تعتمد على تبني المسؤولية الكاملة للأفعال والقليل من العلاج النفسي – ما يسمّيه استدعاء العقل – من خلال اختبارات التحمل الجسدي والعقلي، واستخدام أساليب تأديبية قاسية.

    رغم أنّ  كتاب (لا يمكن أن يؤذيني) من المذكرات الشخصية في المقام الأول، لكنه يقدم جرعة من الدعم الذاتي. وعلى عكس معظم السير الذاتية التي ضمنتها القوات البحرية السابقة، بما في ذلك المعلمون التحفيزيون مثل جوكو ويلينك، والبحريون المشاهير مثل كريس كايل، يقدم غوغنز وصفاً بسيطاً جداً للعمل العسكري أو وصف وقته في الخدمة الإلزامية على الرغم من أنه خدم في الحروب في أفغانستان والعراق، حتى إن تدريبه العسكري لا يحظى باهتمام كبير نسبياً، ويشكل بضعة فصول فقط من قصته. وبدلاً من ذلك، تمّ تخصيص غالبية النص لحياة غوغنز المدنية والرياضية. و يمكننا القول: إنه اشتهر بأنه رياضي، إلا أن زخارف الكتاب تلعب دوراً هاماً في بيان خدمته العسكرية. تظهر صور غوغنز على الغلاف المقوى الأصلي بالزي الرسمي الكامل بالرغم من تقاعده، ويفتتح الكتاب بأمر عسكري مزيف مكتمل بتوقيع غوغنز.

    الألم

    اختار غوغنز قضاء فترة البلوغ في إلحاق الألم بنفسه بعد أن تعرض للإيذاء الجسدي على يد والده عندما كان طفلاً.  يمتلئ الكتاب بأوصاف تصويرية مفصلة، وصور مزعجة للإصابات التي تعرض لها غوغنز في الجيش وفي الرياضات الخطرة. تكثر أوصاف أظافر القدم المكسورة، والبثور المزعجة، وانخفاض درجة حرارة الجسم، والجفاف، وكسور العظام. يصف غوغنز هذه الجروح بفخر جامح تصل حد النشوة الضارية من الفرح، وهو يفخر بنفسه لقدرته غير العادية على تحمل الألم الجسدي أكثر من فخره بإنجازاته. واحدة من أكثر اللحظات التي يفتخر بها، والتي عاد إليها غوغنز بشكل متكرر طوال الكتاب، هي كيفية إكمال تدريبه البحري الخاص بالركض على ساقيه المكسورة عندما كان يعاني من كسور متعددة بسبب الإجهاد. يبدو أن غوغنز يعدّ هذا العمل الفذّ نموذجاً وقصة ملهمة بدلاً من كونه سرداً لسلوك غير حكيم للغاية.

    يلمّح غوغنز أنّه تم رفضه بسبب ما يشير إليه كثيراً باسم “عقلية الضحية”؛ وينوّه أنّ المعاناة هي اختيار من وجهة نظر غوغنز، وأي شخص ينسحب منها يعتبر فاشلاً. يشير بشكل متكرر إلى الفخر المرضي بإصاباته؛ ففي مرحلة ما يفتخر بالفشل الكلوي الذي يعاني منه بعد سباق شاق للفوز بالكأس، وكثيراً ما يرفض العلاج الطبي للإصابات التي تهدّد حياته وأطرافه. في حين يبرر غوغنز أن الطريقة التي يبحث بها عن الألم مرتبطة بالإساءة التي تعرض لها على يد والده، فهو غافل تماماً أنّ ذلك دفعه لقرارات غير منطقية، بأن يعتقد بأنّه يستحق الثناء على رفضه العلاج و على زيادة إصاباته عمداً.

    الاعتماد على الذات

    الاعتماد على الذات هو قيمة أخرى يتبناها غوغنز إلى أقصى حد. المؤشر الأول في الكتاب هو التفاني؛ وهي ميزة يستخدمها المؤلفون تقريباً دائماً لشكر الآخرين في حياتهم على حبهم ودعمهم. يتّخذ غوغنز الخطوة غير العادية المتمثلة “الصوت الذي لا يلين في رأسه والذي لن يسمح له بالتوقّف أبداً.” من الواضح أنه يعدّ نفسه رجلاً عصامياً، ولكن هناك مفارقة معينة في حاجته للآخرين للاعتراف بالإنجاز. تنعكس هذه الحاجة إلى الاعتراف في سعي غوغنز للفوز بالسباقات، وتسجيل الأرقام القياسية العالمية، والدخول إلى رتب النخبة في الجيش. إن موافقة الآخرين مهمة للغاية بالنسبة إليه، وسيبذل جهوداً غير عادية لكسبها.

    يكرر غوغنر كثيراً  أنّ اعتماده على نفسه  ناتج من الإساءة الجسدية التي تعرض لها عندما كان طفلاً، كالعديد من سمات حياته العقلية. إن أسوأ الضربات التي تلقاها من والده جعلت غوغنز يشعر بأنه خارج عن السيطرة؛ وهو شكل من أشكال التعذيب النفسي الذي ربما كان أكثر سوءاً من الإساءة الجسدية. لقد كان ينتظر الضرب في غرفة مظلمة، ولا يعرف أبداً عند أي نقطة سيظهر والده. عندما كانت تبدأ ضربات السوط، لم يكن لدى غوغنز أي طريقة لمعرفة متى ستنتهي. ليس من المستغرب إذن أن غوغنز انجذب لاحقاً إلى الطبيعة الصارمة للحياة العسكرية؛ حيث كانت التوقعات والعواقب واضحة تماماً. لقد كافح غوغنز خلال تدريبه مع عدم اليقين الأكيد بأسبوع الجحيم. يمكن فهم تركيزه على العثور على برنامج المدربين كي يعرف ما يمكن توقّعه خلال المرة الثانية من خلال هذا البرنامج على أنه حاجة للسيطرة التي لم يكن يتمتع بها أبداً عندما كان طفلاً.

    يشير غوغنز إلى ما يسميه مرآة المساءلة، حيث يقف أمام المرآة وبدلاً من إلقاء خطاب حماسي على نفسه، يقوم بتوبيخها كالرقيب العسكري مؤكداً على عيوبه الخاصة ومطالباً بشدة بالقيام بالأعمال.

    العنصرية

    تعامل غوغنز مع ضغوطات علنية وخفية من العنصرية في جميع مجالات حياته؛ فقد تعرّض في حياته الشخصية للاستهزاء والافتراءات والتهديدات الصريحة على حياته حين كان طالباً في المدرسة الثانوية في ولاية إنديانا. وقد أصبحت علامات العنصرية أقلّ وضوحاً حين كان محترفاً عسكرياً. يشير غوغنز أنّ تعرضه للعنصرية كمسألة منهجية حالت دون تقدّمه المهني، بدلاً من كونها سلاحاً علنياً يستخدمه بعض الأفراد، وقد شعر بشكل أقل مباشرة بالآثار الخبيثة لعدم المساواة العرقية. كثيراً ما يشير غوغنز إلى تجربته على كونه الشخص الأسود الوحيد في الغرفة سواء كان ذلك في مدرسته، أو في مجموعته العسكرية، أو في الأحداث الرياضية. لقد كان لكل هذه الأشكال من العنصرية خسائر فادحة على المستوى الفردي والجماعي.

    قد تكون العنصرية حجّة لجأ إليها أو دافعاً له وفي الحالتين كلتيهما  يشير إلى رفضه المساعدة من الراغبين في ذلك مثل مدير المدرسة الثانوية المتعاطف معه. حسب غوغنز فقد حول الموقف العنصري السيئ الذي حصل له إلى حلقة ردود فعل إيجابية،  فأصبح عدم ارتياحه العاطفي وقوداً لجلساته التدريبية الشاقة، وساعدته جلساته التدريبة الشاقة في إعداده للمواقف غير المريحة التي ستنشأ حتماً في حياته.

    تقتصر عناصر الدعم الذاتي في الكتاب على عدد قليل من الجوانب، وقسم “التحدي” في نهاية كل فصل. ربما تكون التحديات حيلة لجعل تجربة غوغنز الحياتية؛ والتي تعدّ غير عادية وربما يستحيل تكرارها.  من غير المرجح أن يركض القارئ سباق الـ24 ساعة، أو يسجل رقماً قياسياً في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

    كما هو معتاد في المذكرات، فإن غوغنز يكتب بصيغة المتكلم باستخدام أسلوب المحادثة. إنه يستخدم الكثير من الألفاظ النابية، والمصطلحات العسكرية. يُقرأ النص غالباً كنسخة من مونولوجه الداخلي في أثناء جلسة تدريبية أو حدث رياضي. إن الأمر الأكثر إرباكاً في القصة هو جدولها الزمني، والذي لا يتناسب تماماً مع التسلسل الزمني، ومن المحتمل أن يكون هذا مرتبطاً بقراره بحذف أي ذكر تقريباً لخدمته في أفغانستان أو الشرق الأوسط.

    تم الاستعانة بملخص instaread بتصرف مع اضافة الرأي الشخصي بالكتاب.

    فادي عمروش المدير التقني - مؤسسة نيوفيرستي التعليمية

    مهندس معلوماتية، دكتوراه في الإقتصاد السلوكي، باحث وريادي أعمال واستشاري مستقل مع عدد كبير من الشركات والمنظمات.