سلوى حمدي أخصائية علاج طبيعي

الألم المزمن، الرفيق الذي لا يراه أحد غيرك!

  • 3
  • 6٬664
  • في بداية عملي كأخصائية علاج طبيعي زارني رفيق غير متوقع، رفيق كنت أقرأ عنه في الكتب فقط، معرفتي به لم تتجاوز مناهج الجامعة والمقالات العلمية.
    اختار كتفي ليكون ملجأه الحالي، في البداية كنت أعتقد بأنه زائر مؤقت، لكن ما حدث العكس تمامًا حيث باتت زيارته أطول مع الوقت.
    مع الوقت وجدت بأن تحريك كتفي بحرية بدأ يصبح أصعب. كما لو أني أحمل طفلًا صغيرًا فوقه طوال الوقت.
    أمتد الألم ليشمل يدي كاملة، كنت المعالجة وقتها و يفترض بأني أعرف الجواب لمساعدة الناس الذين سبقني هذا الضيف بزيارتهم. ما حدث أن زيارته أعادتني خطوة للوراء، حينها بدأت أعيد ترتيب حساباتي.


    دعوني أعرفكم على هذا الضيف؟


    إنه الألم المزمن، ويطلق هذا المصطلح على الألم الذي يستمر لأكثر من ثلاثة اشهر، قد يكون بدأ مع إصابة معينة واستمر حتى بعد شفائها بشكل نهائي أو قد يكون نتيجة لعوامل أخرى اجتمعت لدى الفرد بشكل تدريجي، أمور مثل: مجهود بدني عالي بشكل شبه يومي بدون راحة مناسبة، ضغط العمل، ضغوط نفسية واجتماعية، العزلة، نمط الحياة الغير صحي… و ما إلى ذلك من مسببات.

    طبيعة هذا الألم أنه قلما يتوافق بشكل واضح مع الضرر الجسدي أو أي خلل معين. تماماً كما يحدث عندما يستمر بعد شفاء إصابة معينة من الجسم.
    وجوده كان لهدف مفيد في بداية الإصابة لكن استمراره رغم زوال المسبب أو الخطر المهدد يعتبر مشكلة بحد ذاتها.


    إذًا، لماذا قد يستمر رغم شفاء الإصابة؟


    الترجيحات العلمية أوضحت بأن الجهاز العصبي قد يحتفظ بالإنذار رغم زواله. الأمر أشبه بجهاز انذار الحرائق عندما يطلق بدون حريق فعلي.
    الأعصاب المستقبلة للتهديد قد تبقى في وضع حساسية مفرطة و يصبح تحفيزها أسهل مع الوقت.
    فعلى سبيل المثال قد تجد المصاب بالألم المزمن يبدأ يشعر بالألم لمجرد حمل كوب قهوة لمدة ٥ دقائق بينما الطبيعي أن الجسم يستطيع التحمل لفترات أول.


    ما الذي يحفز تحوّل الألم لمزمن؟


    ردة الفعل الأولى والعوامل التي يعيشها الفرد هي ما تحدد طبيعية هذا الألم و بكل تأكيد تشكل الفروق بين تجارب الناس المصابين به.
    تقليل الحركة و الخوف منها، النوم غير الصحي، مشاكل الحياة وصعوبة الاسترخاء، عدم توفر دعم مناسب للمصاب كلها يمكن أن تزيد من صعوبة تجربة الفرد.


    ما الذي يجعل تجربة الألم المزمن مختلفة؟


    الألم المزمن مختلف لأنك لا تستطيع رؤيته، قد تكون كل فحوصاتك سليمة مع هذا أنت تعاني معه. ولهذا يعاني كثير من المصابين من تكذيب بعض الناس لهم.
    الأشعة التصويرية قد لا تستطيع إظهار التغيرات التي تصيب الجهاز العصبي وتجعله حساسًا لكن ثق..
    ألمك حقيقي و معاناتك معه حقيقة.


    أنت لست وحدك.


    كثير من الناس يعانون مع الألم المزمن، قد تختلف طبيعة التجربة من شخص لأخر لكن ثق بأنك لست وحدك. فعلى سبيل الأرقام، ١ من ٤ أشخاص في أستراليا يعاني مع الألم المزمن.


    هل هناك أمل؟


    بكل تأكيد، تطور الطب الحديث بما يكفي لمساعدة الناس على التحكم بألمهم، العلاج الطبيعي على سبيل المثال من أبرز التخصصات التي يمكن تساعد المصاب على تجاوز تجرية الألم المزمن أو التأقلم معه بشكل ايجابي.
    كلما ازدادت التجربة تعقيدًا زادت الحاجة لفريق متعدد التخصصات لمساعدة المصاب. و لكن بشكل عام الكثير من الاستراتيجيات يمكن أن تسهل حياة المصابين ولعل اكثرها كفاءة الحفاظ على نمط حياة صحي نشط و معرفة طبيعية الألم المزمن لتسهيل التحكم به.


    تجاوزت السنوات الذي كان كتفي فيها ثقيلًا طوال الوقت، واستطعت التخلص من الطفل الثقيل أيضًا. نوبات تهيج الألم مازالت تزورني من وقت لأخر لكنها بشكل أقل ولأني أعرف طبيعتها لم تعد تقلقني وتوقف حياتي مثل السابق.
    الوصول للاسترخاء والحفاظ على نمط حياة حركي مع معرفة التحكم بمهيجات الألم ساعدتني كثيرًا. مهم جدًا أن تزاحم مهيجات الألم بمهدئات وخطط استرخاء مناسبة. ليست رحلة يمكن تحقيق اهدافها في أيام قليلة لكن المهم أن تحقيقها ليس بالمستحيل أبدًا.

    ولأن تجربتي كانت إيجابية، و لأني محظوظة بأن تخصصي كأخصائية علاج طبيعي وضعني في مكان مناسب لمساعدة هؤلاء الذين يعانون مع هذا الألم، عاهدت نفسي أن أسخر نفسي لدعمهم و لتحويل تجاربهم بشكل ايجابي قدر الإمكان.

    سلوى حمدي أخصائية علاج طبيعي

    أخصائية علاج طبيعي، مهتمة بتأهيل الألم المزمن و التوعية بالعلوم المزيفة.