التعامل مع نوبات الحزن

  • 1
  • 1٬976
  • أقول نوبات، لأنها تتكرر من فترة للثانية، ونوبات الحزن أو الاكتئاب هي صديقتي التي لم تنفصل عني منذ مدة طويلة، كنت فيما مضى أعتقد أنها أقرب للاكتئاب، خاصة في الفترات التي أفقد فيها معنى الحياة وأتمنى لو لم أكن موجودة، لكن بعد ان أطلعت مرارًا وتكرارًا على تشخيص الاكتئاب عرفت تماماً أنه ليس أنا، الاكتئاب الذي يوصل الإنسان لدرجة محاولة الانتحار أو جرح الشخص لنفسه باستخدام أدوات حادة وغيرها، حسناً أعترف، لقد فكرت في ذلك طويلًا لكن كنت أعلم في داخلي أنّ هذا إن حدث فإنّ شيء ما سينكسر في داخلي ولن أستطيع مداواته ابدًا، وهذا بحد ذاته جعلني أتوقف إلى مرحلة التفكير فقط. 

    لماذا أذكر هذا الآن، لأنني أفكر دائماً متى بدأ هذا!؟ أي الاحساس بالحزن والرغبة في العزلة وتأنيب الذات وتهميش أي إنجاز قمت به (وما يتبعه بالطبع من التسويف ثم تأنيب النفس على التسويف وهكذا ندور في حلقة لا تنتهي) لم أستطع أبدًا أن أعرف، لقد كان شيئاً متصلًا منذ المراهقة أعتقد، وكان شيئاً ينطفئ داخلي ثم يضيئ ولم أعرف أبدًا ماهو، كل ما كنت أفكر فيه أحياناً هو لم لست تلك الشخصية المنطلقة في الحياة والتي تحب الخروج و الاجتماعات – يربكني أنني أنجح أحياناً بلا أدني جهد، وفي أحيان أخرى أشعر بثقل على قلبي كلما فكرت حتى في الخروج لمطعم- في مرحلة أنضج، ربما في الجامعة تأكدت أنني أمر بنوبة اكتئاب -أو ربما عرفت أن مجموعة المشاعر التي أمر بها اسمها هكذا- كانت تأتي وتستمر أحياناً أوقاتاً وتختلف في أوقات أخرى، ثم اكتشفت كتاب وفاءحين تصبح الأيام أصعب” -لفتتني حينها حماسها لتسويق كتابها إلكترونيًا بعدما رفضتها دور النشر- التي تكلمت عن تجربتها مع الاكتئاب في كتابها الصغير، قمت بتحميل الكتاب حينها ولم أقرأه، لأنني كنت أفكر “ماذا لو وجدت الدافع والسبب ثم أصبح الاكتئاب لدي مبررًا ولا أجد السبب لمقاومته أو محاربته أبداً؟!” حصلت على نسخة مجانية من الكتاب وبقي لدي ضمن ملفات التحميل لمدة طويلة. بالاضافة لذلك، كتاب “عقل غير هادئ” من الكتب التي حرصت على اقتناءها وضمه لمكتبتي – ولنفس السبب السابق لم أقرأه-.

    وأخيراً، وفي رمضان الماضي، أتذكر تلك المشاعر تمامًا، لقد عادت بشدة على قلبي، وقررت أن أواسي نفسي بكتاب وفاء، قرأت الكتاب واكتشفت أنّ كل الأفكار التي كنت أعاني منها لم تكن أي منها باسم الاكتئاب الحقيقي، لم تشبه نوبات حزني مع نوبات حزنها أبداً، حسنا لقد تقاطعت في بعض الأشياء والمشاعر لكن لم تصل أبداً لتلك الذروة التي من الممكن تسميتها نوبة اكتئاب، ولم أحتج لمراجعة طبيب، لقد كانت تلك المشاعر تبدأ وتنتهي بسبب، وتتضخم في وقت محدد اكتشفته لاحقاً.

    لماذا أقول وأذكر تجربتي هنا الآن، لقد اكتشفت أنني كلما فهمت سبب الحزن الحقيقي كلما أصبح من السهل التعامل معه، لذلك كل مرة تصيبني نوبة الحزن:

    أتأكد أولا انها ليست متعلقة بالهرمونات!!  نعم لقد كان هذا أكبر سبب يعيق حياتي بأسرها، نعم بسيط ومنطقي أعرف، لكن هذه المعرفة دفعت ثمنها، في كل مرة أضع رأسي على مخدتي ثم أبدأ بالتفكير (لماذا تزوجت!! لماذا درست تخصص الحاسب!! لماذا كان نظم معلومات وليس علوم حاسب!! لما لم أشارك في المؤتمرات! ماذا سيحصل إذا فقدت أحد افراد أسرتي!!) حينها أسأل نفسي السؤال الأول، هل هي الفترة الحرجة من الشهر!! وعادة ما تكون الإجابة بنعم.. نعم أعرف، لقد اكتشفت عبر السنين أنّ هذه الفترة هي الفترة الحرجة بالنسبة لي، معرفة هذه النقطة ساعدتني لتجاوز كثير من نوبات الحزن، فقط أجعل مشاعري تخرج، أي مشاعر كراهية أو غضب أو حزن، أحاول تمريرها ليوم آخر، أقول لنفسي، إذا كانت هذه المشاعر والأفكار حقيقية سأناقشها مع نفسي بعد أربع أو خمس أيام – وبالطبع أعرف أنه بعد ٤ او ٥ أيام لن تكون لها قيمة- وإن كانت المسألة حقيقة سأناقشها بمنطق بدون عاطفة مندفعة.

    في رمضان الماضي أيضًا، كنت حاملاً بطفلة وكان تغير الهرمونات شيء منطقي مصاحب لي في تلك الفترة، لم أستطع تمرير المشاعر لأيام أخرى، لقد كان شئ ثقيل على قلبي وزاد الحجر المنزلي من مشاعري، استمرت تلك المشاعر يومين واثنين وخمسة وعشرة، وحينها قررت قراءة كتاب وفاء الذي ساعدني كثيرًا لتخطي كل تلك المشاعر. 

    ثانيًا الكتابة، خاصة إذا كان موضوع الحزن عنوان جديد، مثلا كيف سأربي طفلي!! لقد كنت اسأل نفسي كل يوم هذا السؤال إلى أن شعرت بالامتلاء والارهاق وتفريغ هذه المشاعر على الورق ساعدني على رؤيتها وكتاباتها مرارًا وتكرارًا، -حتى لو كانت أفكاري مكررة- يساعدني على التفكير والتحليل، وهكذا قبل أن أصل لذروة الحزن أتخلص من المشاعر الحزينة، والكتابة أنقذتني كثيرًا.

    ثالثًا، أعرف أنه بديهي، لكن لا أتجاوزه، أتأكد من علاقتي مع الله ووردي وقرآني وسورة البقرة، وأتوكل على الله واستخيره قبل كل فعل، في كل مرة أقابل شيئًا صعب الوصول أو بدون ضمانات أفوضه لله ثم أرضى بقدر الله أيما كان. الرضى لا يعني الاستسلام بسلبية، لكن تفويض الأمور لله يجعلني أعرف أن الله سيختار لي الأفضل باذن الله وأنني فعلت كل استطاعتي، أذكر هذا هنا لأنني لاحقاً في شوال من نفس العام فقدت ابنتي في ولادة مبكرة. أعرف أنه موضوع كبير للحزن والاكتئاب، لكن ربط الله على قلبي في كل مرة أتذكر أنني استودعته أمانته وأختار لي الأفضل. واليوم في كل مرة تأتي ابنتي في ذهني أفكر وأسأل نفسي. ما الشيء الذي أرادني الله أن انجزه وأحققه قبل أن يرزقني الأبناء؟ وهكذا أتجاوز نوبة الحزن بسرعة.

    أخيراً، أتذكر أنّ الحياة ليست سعيدة دائمًا ولا ينبغي لها أن تكون هكذا أبدًا، هي أيام سعيدة وأيام حزينة وأيام مرهقة، والألم يساعدنا على النضوج ليست السعادة و هذه حقيقة، و معرفة كيف تتعامل مع حزنك يعني ألا تغرق فيه، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.  

    ريم محمد مدونة

    كاتبة تتعلم، تقنية في بعض الأوقات، وربة منزل دائمًا، وحول هذا أتحدث.