موت المفكّر وصعود المذيع

  • 4
  • 1٬312
  • مَفهومٌ سعيُ القنوات الإخبارية لتوجيه الرأي العام أو توكيد الرأي السائد في اتجاه واحد. مُتقبلٌ أن يُمارس مُذيعي تلك القنوات أقصى درجات الاحترافيّة في الخطاب الشفهي والظهور المرئي إضافةً للتعامل مع الضيوف وإحراجهم بسؤال مُستفز وإجابة قد تكون للجمهور لا تلذ! فهذا هو لُب مهنتهم أساساً، وإن لم يفعلوه يكونون بذلك غير مُتقنين لعملهم.

    وبالنسبة للقنوات الفاعلة على الساحة، فهذا هو ديدن الأخبار وناقليها منذ فجر نشوئها. الانتظار لرؤية قناة فعلاً حيادية أو موضوعية هو كانتظار إيجاد بعوضة لا تتغذى على دماء الإنسان بل على رب البندورة! الأمر غير قابل للتصوّر فضلاً على التطبيق! حينها يبقى الأهم مشاهدة قناة أقل انحيازاً لا أكثر حياداً. على مبدأ أفضل السيئين وأصلح الموجودين.

    إلا أن الخلل لا يبرز إلا عندما يعبر المذيع حاجزًا برزخياً منتقلًا مِن بوتقة احترافية الكلام والظهور وطرح الأسئلة -وهذا هو صلب مهنته أساساً وإن لم يفعلهُ فهو مذنب بحق عمله- إلى استغلال الشهرة -كونهُ وجه إعلامي بارز- ليُصبح مفكرًا صاحب مشروع، مُتعدياً على مجال آخر لا يمت إليه بصلة. هنا يحدث الالتباس ويختلط الحابل بالنابل.

    سبب صعود المذيع بشكل فج ليمارس دورًا لا مكان لهُ فيه، نتجَ عن غياب وأفول شبه تام لشخصية المفكر وبعدها عن الساحة. ولتتأكد من ذلك، افتح اليوتيوب وغوغل وأي وسيلة أخبار وسترى أن العالم بأجمعه شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً، يتحرك بواسطة نوازع هيمنة لا دور لأي فكر بها أبداً. إنما إرادات وقوى، غالباً تعتريها المصالح وتحالفات الفائدة.

    ناهيك طبعاً عن ترسخّ فكرة شعبوية عن المفكر بأنه ذلك المثقف أو «المسقف/ المثئف» الذي يحتسي القهوة مُرتشفاً إياها، ويقرأ روايات أحلام مستغانمي ويضع تلك القبعة الروسيّة مؤيداً البلاشفة الشيوعين مترحمًا على أيام ستالين الحديدي. دون أن ننسى إطالة اللحية والشعر الكث، والكثير مِن الدخان وأعواد السجائر.

    قد تكون وجهة النظر هذه صحيحة لسبب بسيط، وهو أن جُل المفكرين فعلاً قد فشلوا في بلورة صورة غير هذه في أذهان الناس. جُل هؤلاء المفكرين لم يكونوا سوى مُفكري أبراج عاجية لم يقتربوا من الناس ولم يطوروا أي آليات حقيقية تشعر الناس العاديين البسطاء بفائدتهم. فما كان منهم إلا أن نظروا إليهم هكذا نظرة كونهم كانوا بعيدين جداً، يُعالجون مشاكل أخرى قد لا تمت لأقرب همومهم بأي صلة.

    إلا أن هذه الوجهة تُخطئ عندما تصوغ التعريفات بغير أماكنها، فالتعريف العام للثقافة يقضي بأنها مجموع وخليط من التراث الشعبي والديني والفكري لجغرافيا منطقة ما. بمعنى أن المثقف هو ليس صاحب الفكر بل الشخص المتجذر بالأرض والمتشرّب لعاداتها، وعليهِ يكون مثلاً المثقف السوري حالة أشبه بشخصية «أبو شهاب» في باب الحارة، والمثقف المصري شيء ما أشبه بالفراعنة، والمثقف المغربي هو ذلك الذي يلبس الملابس المغربية ويعيش الجو الثقافي السائد.

    بالتالي أن يُطلق مصطلح «مسقف / مستثقف / مثئف» على ذلك «المفكر» هو محاولة لصوغ دعابة على أساس خاطئ، لأن ذلك أساساً ليس مثقف إنما مفكر، أو كما عرّبها وتبناها المترجم الجميل الراحل جورج طرابيشي، بكلمة إنتلجنسيا. المفكرون هم الإنتلجنسيا الذين يساهمون بتغيير الطرح العام أو فتح آفاق جديدة للتفكير -على العكس، هناك نسبة لا بأس بها من المفكرين هم أعداء لثقافاتهم الأصلية أساساً، وقد يمدحون ثقافات أخرى- نعتهم بالمثقفين أمر خاطئ لتناقض التعريف. فضلاً عن محاولة صياغة دعابة عنهم!

    كل هذا أدى لموت المفكر، موتاً شعبياً بسبب بعده عن بلورة خطاب حقيقي يُحاكي الناس وما له علاقة بهم. أو موته معرفياً من خلال تعريفه بمسميات ليست لهُ ومن ثم لصق تلك التعريفات الخاطئة بدعابات ساذجة. مهّد كل هذا الطريق لصعود الخيارات السهلة من المذيعين المتحمسين لطرح مشاريع فكرية غير موجودة. إلا أن تلك القاعدة الجماهرية تفرض عليهم ذلك، وكأنهم يقولون بينهم وبين نفسهم: «الجمهور والمتابعين موجودين، لم يبقَ سوى الفكر إذاً!».

    حينها لا تستغرب عندما ترى هؤلاء المذيعين تخصص لهم برامج وسكيتشات على تلك الشاشات. وهو أمر لطيف. على العكس، هذا نجاح للمذيع. لكن يجب وضع تنويه للبسطاء أن هذا الإعلامي لا يحمل مشروعاً فكرياً إنما مشروعاً موجهاً يخدم المنطقة العَقدية الضيقة التي يتحدث من خلالها، ويعمل بها، وكتحصيل حاصل «يرتزق منها» ونكرر أن هذا ليس عيب، إنما مجرد وضع لنقاط على حروف لا أكثر.

    لنؤكّد الفكرة، نطرح السؤال التالي:

    كم عدد المذيعين والإعلامين الذين تعرفونهم يعملون في قناة، لا يؤيدون سلوكها؟ خصوصاً أولئك المذيعين الذي يتصدرون المشهد الشعبي وأنهم مع الناس؟

    لا أعتقد الكثير، في الحقيقة. لا أعتقد أنه يوجد أصلاً.

    جميعهم ينطلقون من وجهات نظر مُسبقة، وجمهور عريض وجدوا أنفسهم أمامه لكونهم وجه إعلامي فذ، أو لمجرد كونها مذيعة إعلامية حسناء ذات أصول لبنانية في الغالب، فدُفعوا لساحة معركة فكرية لا ناقة لهم فيها ولا وحيد قرن. والنتيجة كل هذا الغثاء الإعلامي الذي نراه يومياً.

    لربما من أفضل التفصيلات التي قام تويتر بفعلها مؤخراً أنه زوّد كل حساب إخباري إعلامي موجود عليه بتنويه صغير يُشير لأي سلطة يتبع هذا الحساب. فذلك الإعلامي الذي يتبع لروسيا أو الصين أو الولايات المتحدة وغيرهم كله أصبح منوّهاً عنه بخط صغير كي يعرف المُطالع البسيط، الوجهة التي يتكلم منها «صاحب المشروع الفكري»!

    عندما كتب «جوليان بيندا» مؤلفَه «خيانة المثقف» قبل مدة طويلة، قال فيه أن مِن أسباب هذه الخيانة تسرّب الأفكار إلى اللاوعي الخاص دون أن تمر على مقصلة المحاكمة النقديّة، وهو أمر طبيعي، جميعنا تحدث له هذه التسريبات خصوصًا أمام الأشياء التي لا نملك مواجهتها، إلا أن هذا التسريب قد زاد وطفح، لدرجة أنه أصبح وجهة النظر العامة السائدة لا الاستثناء الخاص!

    ومن بعدها تصدّر هذا الاستثناء الخاص الساحة ممهدًا الطريق للمذيع صاحب اللسان السليط ليحتل المكان بُرمته. فلم يعد هناك فرق بين مفكر وإعلامي وكاتب وحتى مذيع النشرة الجويّة!

    حينها يبقى السؤال المهم الواجب طرحه هنا: أين ذهب المفكر؟ وفي حال موته، مَن قتله؟ ولماذا؟

    عبدالرحمن عرفة مدير قسم المدونات

    طبيب أسنان ومسؤول قسم المدونات في مجتمع أراجيك. مُهتم بقضايا الفكر العُليا على اختلافها، أحاول رؤية العالم والنظر لقضاياه مِن زاوية مُنفرجة. سعيد بالتواصل معك عبر مختلف الوسائط. مدوّنتي الشخصية: Arafa.Blog