سبأ أحمد كاتبة محتوى

دموع البيروقراطية

  • 2
  • 2٬160
  • خرجتُ من يومي الأول في العمل وعدت للمنزل وباشرت البكاء، لم أعلم حينها لِما كنت أبكي، كان زوجي يحاول تهدئتي ويسأل عن الأسباب ويهوّنها في عيني دون اجتهاد لكونها كانت هيّنة ولم تكن أسبابًا أصلًا. وبكيتُ بعدها لثلاثِ أيامٍ متواصلة، ولم أتوقف إلّا حين سئمتُ من نفسي.

    العودة لحياةِ العمل:

    في مقر عملي تهتم الإدارة بتوقيع الخروج والانصراف، أوقات الدوام، كتابة تقارير يومية بالمهام المنجزة وتوثيق مُعظم الأمور بشكل رسمي ومفصّل. ولا أخفيكم أن الجميع في شركتي لطيفون دون استثناء ولكني كنت أعود باكيةً لشعورٍ لم أستطع تسميّته جيدًا، أخبرت زوجي حينها أنّي لست سعيدة كما يجب أن أكون أو كما كنت أتوقع أني سأكون فذكّرني هو بدوره أنّي قضيت وقتًا طويلًا ما بين المنزل والعمل الحر من بداية أزمه كورونا حتى أنني نسيت كيفية العمل والالتزام بدوامٍ معيّن.

    البحث عن السبب:

    بكيتُ في الأسبوع الثاني أيضاً وبعدها قررت البحث عن أسبابٍ منطقية ومدروسة ثم كتابتها للخروج بأسباب واضحة لكل هذه الدموع. بدأت حينها أقارن عملي القديم بعملي الحالي وكانت الإجابة ببساطة تكمن في “البيروقراطية العملية”. كان مديري السابق لا يُلزمني على وقت دوامٍ معيّن إنّما على إنجاز مهامٍ معيّنة حيث أنّه كان يخبرنا أنّه بإمكاننا القدوم في أي وقت ما دُمنا ننجز مهامنا. نموذجان غاية في الاختلاف ووُضعت أنا بينهما. استوعبت حينها أنّي كنت أبكي فقدانَ حريّتي، شعرت أنني مسجونة لعدة أيام والبيروقراطية العملية كانت سجني. في البداية كنتُ كسجينٍ يقاوم سجّانيه، اليوم وبعد مرور أسبوع وعدة أيام أصبحت سجينًا متأقلمًا. 

    ركل المسؤولية:

    إن البيروقراطية تهدمُ المنظومة العملية ذاتيًا حين تبدأ بتهميش كينونة الفرد الذي يُعد حجر الأساس في هذه المنظومة، فركل المسؤولية بعيدًا هو وجه من أوجه البيروقراطية حيث أن الموظف في بيئة مماثلة غير مجبول على امتلاك الآراء أو اتخاذ القرارات فهو بالطبيعة غير معتاد أو قادر على تحمل تبعاتها، فبمجرد أن تمنح موظفًا كهذا مساحةً للتحرّك فإنه سيتحرك وفقَ مرجعيّة الاعتياد لديه وسُرعان ما سيبدأ بلومِ المنظومة في حال فشِلت تحركاته. إنّ ساعات العمل المقيّدة وأماكن العمل الرتيبة والتقارير الكثيرة المملة والعلاقة المبنية على القلق بين الرئيس والمرؤوس لا تصنع أشخاصًا مسؤولين إنّما تصنع أتباعًا جُبناء وخائفين.

    فحوى الدموع:

    إنّ البيروقراطية لا تتوغل في منظومةٍ إلا شانتها، فهيّ تفتك بفرديّة المرء وتجبره على السير على خُطى المنظومة متجاهلةً نتائجه الفعلية كفرد كما أنّها تُنتج أدنى أشكال الإنجاز تلك التي يعمل عليها المرء ليملأ ساعات عمله بإتمام اللازم الذي لا روح له ويعود بعدها إلى منزله كارهًا كل ما يخص العمل. جيل اليوم يحتاج مساحةً أكبر من المرونة والحريّة كما أنّه بحاجة لأن يُفوَّض ويُمنح الثقة ليُحقق أفضل أداء ويُقدم أفضل إنتاجيّة؛ لأنّ أبناء هذا الجيل مطّلِعون ومخيرون ويملكون أراءهم الخاصة وأفكارهم المتفردة، إنه جيلٌ يعرف ماهيّته ويعمل على اكتشاف مدى مقدرته ويسعى لتوثيق عمله وإثبات كينونته حيث أنه يملك الأسباب والأدوات، وبيروقراطية الأمس تقتلُ جيلَ اليوم ولا ينهض العالم على أكتافِ الموتى.

    سبأ أحمد كاتبة محتوى