دقة الفهم للحياة تفسدها

  • 6
  • 8٬224
  • الحياة كلقمة الطعام الذي لا ترغب به لكنك مُجبرٌ على أكلهِ، ليس مِن الضروري أن تمضغها بشدة مُستشعرًا كل ذائقة فيها، يكفي أن تطحنها قليلًا ثم تمررها بلا اهتمامٍ مُبالغ. دون أن تتشبّع بها وتتشبّع بك، فلا تسبغ لونك عليها ولا ترخي بثقل ألوانها عليك. فأنت غريب عليها وهي غريبةٌ منك. أنت زائد عليها وهي غير ناقصةٍ برحيلك، فهي مرحلة لا بد منها، بروتوكول واجب المرور فيه ليس إلا.

    تعمل في وظيفة لا تحبها مع مدير عمل يعتقد نفسه أحد آلهة الإغريق القدماء. الأمر عادي جدًا، لا تمضغهُ، فقط اِطحن قليلًا وابلع دون أن تشعر. هي فترة لا بد منها. هدف العمل دائمًا كان المردود المادي لا أن تحبه وتحب رئيسك فيهِ وتحصل على إجابة سؤال معنى الحياة على مكتب المدير، لا ليس هذا، لذلك لا تمضغ وتابع…

    تدرس مجال لا تستسيغهُ مُحاطًا بصرامة النظام التعليمي المُتهالك الذي توقّف تطوّره في عقود فِكر الستينات مِن القرن العشرين. كسابقهِ أيضًا، مرحلة بروتوكولية لا بد منها في سبيل الحصول على شهادة تؤهلك للانخراط في معترك الحياة على الأقل نفسيًا. لا تمضغ جامعتك وكليّتك وأصدقاءك كثيرًا، بعض مَن يكرهون النظام التعليمي يولون 20 ساعة مِن يومهم فقط لنقدهِ، ولو فكّروا بذكاء أكثر لتجاهلوه وأراحوا أنفسهم، خصوصًا أنهُ مرحلة بروتوكولية لها فترة صلاحية، ثم تراها تنتهي وتذهب.

    ترغب في أن تتقرب مِن صديقك فتهدي أحدهم هدية ليقول لك لماذا؟ ما السبب والدافع؟ لا بد مِن أنك تضمر غاية في نفسك كيعقوب مِن وراء تلك الفعلة. لا يمكن أن تكون هكذا بدون مقابل. هناك شيء ما لا بد منهُ.

    تحاول أن تفهم علاقات الناس وكيف يحبون ويكرهون ويتخندقون في سجون أفكارهم فتجد نفسك أصبحت نخبويًا نازيًا تقف في برج عاجي لا أحد فيه سوى أنت كشخص مريض يلعن الجميع صباحًا مساءً، والسبب دائمًا هو أنك مضغت بشكل زائد عن اللزوم بينما كان فقط يجب أن تُمرر دون أن تتذوق كثيرًا.

    تفتح شاشات الأخبار لتفهم ما يجري، فتجد مجموعة مِن القنوات الموجّهة التي تُغرّد وفق أهواء مَن يدعمها. يتشدق الجميع بالموضوعية والرأي المُنصف بينما لو رأتهم الموضوعية لانتحرت مِن الطابق العاشر ولشنقَ الرأي المُنصف نفسه على مروحة السقف. لا يجب علينا أن نأخذهم بجدية، لا يجب علينا أن نمضغ قنوات الأخبار وما يقولونه.

    تتزوّج لتُكمل دائرة السعادة الأبدية وتلتقي بنصف دينك الآخر كما يُقال، لترى المسؤوليات قد ازدادت لدرجة فيضانها. مِن جهة تنظر للأمر كاختبار صبر طويل واجب التحمّل فالانسحاب غير مُبرر، ومِن أخرى ترى في القرار مِن أصله خطأً كان لا بد اجتنابه، إلا أن ما تمليه علينا فيزيولوجيا أجسادنا وعاداتنا الاجتماعية والدينية كان له الكلمة الأقوى، والإنسان في النهاية كائن ضعيف، فَلَانَ وحدث ما حدث. لكن الآن كل هذا الكلام ليس مهمًا إذ لم يعد في اليد حيلة والحل هو ألا تمضغ. فهي بروتوكولات لا بد منها. مَن يصدق؟ يبدو أن الحب بروتوكول لا بد منه، يمر كما يمر كل شيء آخر…

    صدقَ الرافعي عندما قال دقة الفهم للحياة تُفسدها. مَن يفكّر مَليًّا في وجوديّته يصل للجنون لذلك قيلَ أنّ العبقرية تقع على الحافة. مَن يبالغ في فهم وظيفته وعمله ينتهي به المطاف بلا عمل، لا تفكّر كثيرًا فقط اِعمل يا فتى. مَن يضع النظام التعليمي نصبَ عينيه مُتفحصًا كل دقائقه لن يكسب سوى «وجع الرأس» وسيعكف عن إكمال دراستهِ. مَن يحاول عقلنة مشاعر الناس وعلاقاتهم وكيف يحبون ويكرهون لن يفهم شيئًا، فهم الفيزياء النووية أسهل مِن فهم دوافع الإنسان وتعقيداته.

    لهذا كان الخيار الأمثل دائمًا بألا تمضغ، دقة الفهم للحياة تفسدها، وأخذ الأمور ببساطة قد تصل حد الطفولية الساذجة هو الحل. لربما يرى البعض بذلك جبنًا أو انعدامًا للمسؤولية، إلا أنه قد يكون حنكةً أيضًا، لا سيما أننا نعيش في حالة فيض يومي مِن الأخبار والكوارث ونقل حي لحظة بلحظة لما يجري هنا وهناك فضلاً عن مُجرياتنا الشخصية، التدقيق في كل هذا سيؤدي في النهاية لتخمة مِن الهموم ستتكدس في أوردة أيامنا لتشكل جلطةً لا بد منها.

    لذلك كان الخيار الصائب هو البساطة، في ألا نمضغها كثيرًا، فدقة الفهم للحياة تُفسدها.

    عبدالرحمن عرفة مدير قسم المدونات

    طبيب أسنان ومسؤول قسم المدونات في مجتمع أراجيك. مُهتم بقضايا الفكر العُليا على اختلافها، أحاول رؤية العالم والنظر لقضاياه مِن زاوية مُنفرجة. سعيد بالتواصل معك عبر مختلف الوسائط. مدوّنتي الشخصية: Arafa.Blog