آثار العزلة والانقطاع

  • 0
  • 2٬832
  • الحظر في أيامنا اختلف عن السابق كثيرًا فمع وجود الإنترنت وانفتاح العالم على كل ما يحدث في مختلف الأنحاء، اختلف الحظر جملةً وتفصيلاً عما سبق وكان يسمى بـ «الحظر».

    بدأت أوّل مُمارسة للحظر بشكله المعهود كما نعرفه في القرن الرابع عشر على السفن على السواحل الأوروبية، فكانت السفن تُجبر على الانتظار براكبيها في المرسى قبل دخول المدينة إذا كانت قادمة من الأماكن المصابة لمنع انتشار وباء الطاعون. وبدأ العمل به قانونًا عام 1892 كما أقره الكونجرس بعد تفشي وباء الكوليرا للحاجة الماسة لتنظيم الوضع وقتها.

    الآن يمكنك متابعة التلفاز والإنترنت لتعرف أخبار الكرة الأرضية بالكامل، كما يمكنك التحدث بالصوت والصورة مع أي شخص بمنتهى السهولة، كما يمكنك ممارسة الكثير من الأعمال من المنزل. أما فيما مضى كان الحظر يعني الانقطاع التام عن العالم؛ فبمجرد بدء تطبيقه كان السابقون يجتمعون حول المدفأة أو الفرن بالمنزل يمارسون المهام المنزلية البسيطة إلى جانب القراءة أو الحياكة كلٌ على حسب هوايته. ولا ينتهي الأمر حتى تقرر الجهة الحاكمة انتهائه وتبلغ بذلك الأفراد بصفة شخصية ليعلموا بإمكانية التصرف والحركة مرة أخرى.

    وكان لهذا الانقطاع والعزلة أثر كبير للغاية في سلوك الأفراد، وسنتناول بعض من الحالات الأشهر حول العالم.

    «هيرو أونودا» الجندي بالجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية

    كان الجندي هيرو أونودا قد تلقى تدريبات مُكثفة وتم إرساله لأحد المواقع لعرقلة تقدم القوات الأمريكية، وقد اتخذ موقعه هو والفريق الملازم له وعندما اشتبكت القوات الأمريكية مع الجيش الياباني كانت الهزيمة من نصيب اليابان فتراجعت القوات واضطر هيرو وبعض زملائه للاختباء بعيدًا عن أعين القوات الأمريكية. ومنذ تلك اللحظة انقطعت علاقتهم بأرض الواقع، فلم تعد تصلهم تعليمات مباشرة من القادة، ولم يعرفوا بحقيقة ما حدث بالرغم من وصول بعض المنشورات والمعلومات من المحيط، ولكن في ظن هيرو أنّ كل هذا كان خطة لإيقاعهم والتخلص منهم، فبلاده الشامخة لن تنهار بهذه السهولة أو تستسلم. وظل على هذا الحال معتقدًا أنه يناضل ضد المستعمر بينما هو كان يقاتل القوات الفليبينية وهم يردوا القتال معتقدين إنهم يتعاملوا مع بعض العصابات العادية. ولم يستسلم هيرو حتى تلقى أوامر مباشرة من رئيسه السابق الذي ذهب إليه بصفة شخصية ليخبره بانتهاء الحرب بعد مرور 29 عام! وبعد اكتشاف وجوده من قبل الحكومة الفلبينية وطلبه للقائد بالاسم ليستسلم عام 1974، وبالرغم من الجرائم التي ارتكبها هو وزملائه إلا أن الحكومة الفلبينية عفت عنه وعاد لبلاده ليعامل معاملة الأبطال على صموده كل هذا الوقت.

    «تيرو ناكمورا» الجندي بالجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية

    وقصة تيرو بدأت نفس بداية قصة هيرو، فبعد أن شنّت القوات الأمريكية الهجوم على القوات اليابانية في عام 1945 وبانتصار القوات الأمريكية هرب تيرو وهام على وجه متخفيًا حتى لا يقع في قبضة القوات المعادية، فبنى كوخ صغير وكان يحيا على ما يسرق من المزارع والأراضي المجاورة. هو أيضًا لم يصدق خبر استسلام القوات اليابانية فقرر أن يحيا في الخفاء إلى أن يجد جديد. عاد بعدها عام 1974 عندما تنكرت القوات الأندونيسية بملابس الجيش الياباني وتظاهروا بالبحث عن باقي الجنود الذين اختفوا من وقتها ليعود هو الآخر لموطنه بعد كل هذا.

    «هيرمان ديتنزر» الكولونيل الألماني

    كان هيرمان قد تم إرساله إلى بابوا غينيا عام 1914 ولم يكن على علم بأي مما يحدث في المنطقة ولا يعرف أخبار الحرب، وكان يواصل استكشاف المنطقة كما كان مُخطط له. وعندما علم بما حدث بانتصار قوات استراليا على قوات ألمانيا واصل استكشافه وهو مختبئ مع محاولات للهروب إلى غينيا الجديدة ولكنه على عكس المثالين السابقين لم يختبئ كثيرًا، فبعد ما عرف بانتهاء الحرب عام 1918 من أهل المكان استسلم عام 1919 لقوات استراليا وقرر استغلال ما حدث له لكتابة روايات وقصص فيما بعد.

    مقاتلو حصار «بالير»

    أثناء الحرب الأمريكية الاسبانية بدأ الأمر بـ 800 ثائر فلبيني قاموا لمدينة بالير التي كانت محتلة من الاسبان وحاصروهم بداخل كنيسة وكان الجنود الاسبان فقط 57 مقابل 800. بالطبع كانت النهاية محسومة، فقرر الاسبان الصمود بداخل الكنيسة حتى إذا أدى الأمر لوفاتهم. بعد هذا بوقت قليل جدًا انتهت الحرب وطالبوا الجنود بالخروج من الكنيسة فرفض الجنود الخروج ظنًا منهم بإنه فخ مدبر للقضاء عليهم. وظل الوضع على ما هو عليه، حتى وصلت إليهم جرائد بها أخبار زفاف بعض من أصدقائهم الشخصيين. مما أقنعهم أخيرًا بصدق المحاولات. وخرجوا بعد انتهاء الحرب بستة أشهر عام 1899. ويعد هذا الوقت قصير بالمقارنة بما سبق.

    Operation Haudegen عملية هجين

    أرسلت ألمانيا هذه البعثة في سبتمبر 1944 لإنشاء محطة أرصاد جوية في النرويج، وكانت العملية سرية للغاية فلم يعرف بها أحد، وعند اشتعال فتيل الحرب تخلت عنهم الإدارة فقطعت الاتصالات عنهم بالكامل، حتى مايو 1945 فكانت الرسالة الوحيدة تفيد بانتهاء الحرب أخيرًا. ولكنهم لم يخرجوا قبل سبتمبر 1945، وانقذتهم إحدى سفن الصيد النرويجية بعد سماعها الاستغاثة التي أرسلوها عبر اللاسلكي. وانتهى الأمر بسلام فلم يحدث خسائر سوى ضياع وقت البعثة وقلقهم مما حدث.

    كل ما سبق وغيره الكثير مما عرفنا وما لم نعرف واختفاء الكثير من المجندين وغيرهم على مر العصور، حدث بسبب انقطاع التواصل وعدم التأكد من المعلومات مما سبب هذه العزلة الاختيارية. واليوم بعد كل وسائل الاتصال وبعد كل ما توصلنا إليه من تطور مازلنا نفتقر للمعلومة مع تزايد المعلومات المغلوطة والإشاعات والأكاذيب والاعتبارات السياسية والدولية. مما يضعنا بشكل أو بأخر في نفس موضع السابقين ولا يجعل مصائرنا تبدو بعيدة بالشكل الذي كنا نتصوره.

    سارة الشافعي

    خريجة حقوق وأحب مشاهدة الأفلام والبرامج الوثائقية والقراءه في شتى المجالات