أماني حليوي استاذة جامعية

شمّاعات الفشل – السحر والشعوذة وما جاورها من الدجل

  • 2
  • 3٬600
  • منذ بداية البسيطة، حاول الإنسان السيطرة على الطبيعة واعتبر كل شيء لا يستطيع السيطرة عليه أو فهمه خارقا للطبيعة. وقد وصل الإنسان حد عبادة ما لا يفهمه أو يخاف منه كالظواهر الطبيعية مثل الرعد والطوفان وقدم القرابين من بني جنسه لإرضاء هاته الظواهر. في سياق التعامل مع القوى الخارقة للطبيعة التي نجهلها، ظهر السحر والشعوذة كطريقة لمحاولة مواجهة أو السيطرة على المجهول. لذلك، ومنذ نشأته، كان السحر دائما شماعة للفشل، شماعة لفشل عقل أسلافنا البدائي في فهم الطبيعة في هذا السياق.

    1- التفسير السوسيوسايكولوجي للسحر

    التجأ الناس للسحرة والدجالين لوجود حلول لمشاكلهم التي يصعب عليهم حلها، أو في الحقيقة، يصعب عليهم استيعاب فشلهم في حلها. يمثل السحر والشعوذة طريقة سهلة لتفسير فشلنا في الحياة، أو في الالتزام بعلاقة، أو في الزواج والإنجاب وغيرها. من السهل لوم الآخرين عوض لوم نفسك أو عوض التعب الناجم عن التفكير في حل عقلاني لمشكلة ما.

    قبل الغوص في هذا التفسير السوسيوسايكولوجي، من هم السحرة؟ تعرف موسوعة كامبريدج للأنثروبولوجيا السحرة على أنهم أناس يختلفون باختلاف تعريفنا للسحر: من الحكيم المهيب ذو اللحية البيضاء، الذي يتمتع بقوة باطنية في الحكايات الخيالية والأفلام الخيالية، إلى السحرة الأشرار المحاطين بنباتات مخيفة، وجرعات غامضة، ومخططات فلكية؛ من المعالجين “الدجالين”، الذين يجمعون التعويذات والعلاجات العشبية، إلى السحرة الذين يخدعون حواسنا.

    تم استخدام مفهوم السحر والشعوذة حسب باحث الأنثروبولوجيا ماتيو بينوسي بالاقتران مع ممارسات متباينة مثل الطب الشعبي، العِرافة، قراءة الكف، استحضار الأرواح (التواصل مع الموتى)، علم التنجيم، الكيمياء، الروحانية، السحر والتنجيم (دراسة الأشياء الخفية أو الخوارق)، الوهم، الوثنية الجديدة (عبادة القوى الطبيعية، التي غالبًا ما تكون على غرار الديانات القديمة)، وروحانية العصر الجديد.

    لنلخص المفهوم، السحر هو مجموعة من الأنشطة والتقنيات التي تهدف إلى التلاعب بالقوى والطاقات غير المرئية أو غير المادية، غير المعترف بها من قبل العلم، لتحقيق غاية معينة. هذه الغاية في منظوري الشخصي هي الكسب المادي أو المعنوي (قوة وسلطة) للساحر والكسب النفسي للعامة عبر متعة وراحة إيجاد تفسير ما ورائي لكل ما يصعب فهمه أو استيعابه.

    2- التفسير الديني للسحر والشعوذة

    بالعودة لتفسير السحر وما جاوره على أنه غطاء لكل شيء نفشل في فهمه أو إيجاد حل له، عمق مفهومنا الخاطئ للسحر في الدين من قوة وسطوة السحرة والدجالين وأعطاهم الفرصة للتحكم في حياتنا حرفيا. إذا أخذنا الدين الإسلامي كمثال، ذكر السحر بمواقع عديدة في القرآن الكريم، ما جعل الناس التي لم تفهم، أو لم تكلف نفسها عناء فهم آيات السحر تؤمن بسطوته القوية. لذلك أريد الإشارة إلى الفهم المستنير للشيخ العلامة الإمام محمد الطاهر ابن عاشور لآيات السحر في القرآن الكريم.

    يعرف الإمام بن عاشور السحر أو الشعوذة على أنه تمويه الحيل بإخفائها تحت حركات وأحوال يظن الرائي أنها هي المؤثرة مع أن المؤثر خفي ومن ذلك قوله تعالى: “ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون”.  التحرير والتنوير ١/ ٦٣٠

    ويفسر العلامة بن عاشور السحر على أنه خديعة على ثلاثة أوجه:

    • زجر النفوس:

    يخيف السحرة النفوس بمقدمات ترهب الناس بما يعتاده الساحر من التأثير النفساني في نفسه ومن الضعف في نفس المسحور ومن سوابق شاهدها المسحور واعتقدها فإذا توجه إليه الساحر بما يشبهها، صدقه. ويمكن أن نجد هذا الوجه من السحر في إشارته تعالى لسحرة فرعون الذين سحروا أعين الناس واسترهبوهم.

    • استعمال الكيمياء:

    استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعادن وغيرها كاستخدام سموم لقتل “المسحور” مثل استخدام الزئبق في الأكل واستخدام عقاقير مخدرة مؤثرة في العقول صلاحا أو فسادا ومفترة للعزائم تجعل “المسحور” يرى ما لا يوجد ويفعل ما لا يعلم.

    • حركات الخفة:

    الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد متحركا للناس ومنه الإشارة بقوله تعالى ” فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى”.

    يفسر الشيخ بن عاشور أن كل ما خرج عن هذه الوجوه الثلاثة للسحر كالطلاسم وعقد خيوط والنفث عليها برقيات معينة تتضمن الاستنجاد بالكواكب أو بأسماء الشياطين والجن وآلهة الأقدمين، وكتابة اسم المسحور في أشكال ووضع صورته أو بعض ثيابه وتوجيه كلام إليها بزعم أن ذلك يؤثر فيه فهو خزعبلات وباطل وأمر دبر بليل بين الدجالين ومعارفهم في كل مكان.

    السعر والشعوذة

    هذا وتجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من الشيوخ المعروفين الذين رفضوا السحر بما هو قدرات ما ورائية على غرار الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كـالدكتور محمد هداية والدكتور محمد شحرور كما أن فرقة المعتزلة كلها ترفض السحر وتعتبره خدعا لا أصل لها. كما اعتبر الشافعي أن السحر مجرد وسوسة وأمراض، في تفسير لطيف لهذا المعنى الذي أصبح اليوم قطبا تدور حوله كل تفسير للظواهر الطبيعية.

    لذلك فتحذير الإسلام والديانات الأخرى من السحر وممارسته بأوجهه الحقيقية التي لا تختلف البتة عن ضرب أو قتل شخص ما أو التسبب له بضرر نفسي أو معنوي بأي طريقة أخرى، لا تبيح أبدا تأليه السحر ونسب كل تلك القوة الماورائية العظيمة له.

    لذلك، إذا لم تنجح في الدراسة فصدق أن السبب ليس طلسما وإذا لم تتزوجي، فصدقي أنها ليست التابعة بل ذلك قدر الله أو مشكلة في طريقة تعاملك مع من تقدم لك أو مشكلة في تعامله معك أو إذا لم تنجبي، فزوري الطبيب وليس الدجال. هذا يعني أنه يجب علينا أن نبحث عن أسباب فشلنا داخل أنفسنا وهو نقلة نوعية صعبة ولكنها مهمة إذا أردنا الخرج عن بيت طاعة السحرة والدجالين.

    أماني حليوي استاذة جامعية